الإستشارة
  • المستشار :
  • القسم : استشارات أخرى
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 0
  • رقم الاستشارة : 6004
29/09/2026

أنا الفتاة صاحبة الرسالة التي اشتكيت فيها من الحزن والألم لأني تجاوزت الثلاثين بدون زواج.. وقد تفضلت أ. فاطمة عبد الرءوف بالرد عليّ.. شكرًا جزيلًا لرد حضرتك.

قررت أن أرسل استشارتي إليكم لعلّي أجد في ردكم ما يخفف عني شيئًا من حزني، فإذا بي أعود من الرد بحزن مضاعف، وأجد نفسي الآن متهمة ومطالبة بالدفاع عن نفسي. فقد أصبحت ـ بحسب ما فهمت من رد حضرتك ـ صاحبة «خلل واضح في فهم الدين والعلاقة مع الله» ومن «تلبيس إبليس»، وأصبح حفظي لكتاب الله مجرد «انشغال بالظاهر»، أما باطني ففارغ لأن «المعاني لم تصل إلى القلب»، وأصبحت كذلك متهمة بسوء الظن بالله.

وأقول لحضرتك بكل ألم: هلا شققتِ عن قلبي؟ هل تعلمين كيف كانت علاقتي بالقرآن طوال هذه السنوات؟ وهل تعلمين ما الذي لمسته من معانيه وما الذي تركه في نفسي؟ وهل تعلمين أصلًا تفاصيل علاقتي بالله حتى يُحكم عليها من خلال بضعة أسطر كتبتها إنسانة في أشد حالات ألمها؟

أنا لم أقل إنني أستحق الزواج لأنني أفضل من غيري، ولم أقل إنني أعبد الله مقابل مكافأة دنيوية. كل ما قلته أنني دعوت الله سنوات طويلة، وحاولت أن ألتزم وأتقرب إليه، ومع ذلك فأنا الآن في حالة ألم وحزن شديدين. هذا سؤال وألم، وليس بالضرورة سوء ظن بالله.

وقد آلمني أن ينتقل رد حضرتك بي من مشكلتي الأصلية التي كتبت الاستشارة بسببها: «أنا وحيدة، خائفة، حزينة، وأبكي يوميًا»، إلى مشكلة إضافية: «ربما علاقتي بالله فيها خلل، ربما أنا آثمة، ربما ضللني إبليس». فبدل أن أحمل همًّا واحدًا، شعرت أنني خرجت من الرد وأنا أحمل همًّا آخر فوقه، وهو الشك في ديني وفي علاقتي بالله.

وتساءلتِ في ردك: ما معنى الابتلاء إذن؟ وأنا أعلم معنى الابتلاء، وقد مررت بابتلاءات شديدة بالفعل. فمنذ ستة أشهر فقط فقدت والدي الحبيب، وخلال عامين متتاليين أجريت عمليتين جراحيتين، من بينهما جراحة في العمود الفقري جعلتني طريحة الفراش لعدة أشهر. ومع ذلك، كنت ولا زلت أردد بقلبي ولساني: الحمد لله، وأرضى بقضاء الله وقدره.

أنا لا أعبد الله على حرف، ولا أجهل أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولا أتعامل مع الله كما وصفتِ الأمر بأنه «تعاقد تجاري استثماري». وقد دعوت الله بدعوات استجابها، ودعوت بدعوات أخرى لم تُستجب بالصورة التي تمنيتها، ولم أقنط ولم أقل إن الله لم يحسن إليّ لأنني أحسنت.

 

أنا الآن فقط في ابتلاء شديد من الحزن والفقد والوحدة والخوف، وكنت أرجو أن أجد في الاستشارة جبرًا لخاطري، لا محاكمة لعلاقتي بالله.

كنت أتمنى، مثلًا، أن تذكريني بقول الامام ابن الجوزي "فإذا جاء إبليس، فقال: كم تدعوه ولا ترى إجابة! فقل: أنا أتعبد بالدعاء"... أن تنتقلي معي فقط إلى مشهد في الآخرة عندما يرى المؤمن دعواته التي لم تستجب ويتمنى في هذا الموقف لو أن الله لم يستجب له أي دعوة في الدنيا، لعِظم وجلال الثواب الإلهي الذي يراه محفوظاً له في الآخرة، بدل أن أخرج من الاستشارة وأنا أشعر أنني متهمة في ديني.

أما قول حضرتك: «ماذا لو كنتِ قد تزوجتِ رجلًا خبيثًا مؤذيًا؟»، فأنا أتفهم أن المقصود هو تذكيري بأن الزواج ليس خيرًا مطلقًا في كل صورة، لكن هذا المثال لم يعالج ألمي، بل زاده.

أنا أعلم جيدًا أن الزواج من شخص سيئ قد يكون مصيبة، ولذلك رفضت بالفعل أشخاصًا لم أرَ فيهم الأخلاق أو الصلاح الذي أبحث عنه. لكن الإنسان المحروم من شيء يتمناه لا يحتاج في كل مرة إلى أن يُذكَّر بأن هناك نسخة أسوأ من الحرمان. وجود مصائب أكبر لا يلغي مصيبته هو. فلو كان إنسان محرومًا من القدرة على المشي، فلن يكون من المناسب أن نقول له: «احمد الله أنك لم تفقد ذراعك أيضًا». هو يحتاج أولًا إلى من يقول له: «أعلم أن فقدان قدرتك على المشي مؤلم»، ثم يساعده على التعامل مع واقعه.

ومن شدة ألمي من الرد، وجدتني أقارنه بمواقف من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع أصحاب الألم والضعف. حين جاءه الشاب يسأله عن الزنا، لم يبدأ بتوبيخه أو اتهامه في دينه، بل اقترب منه، وحاوره، ووضع الأمر أمامه بطريقة يفهمها قلبه وعقله، ثم دعا له.

وحين حزن الصغير أبو عمير على طائره، لم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم: هناك أطفال يتامى ومبتلون، فلماذا تحزن على طائر؟ بل شعر بحزنه وواساه. وأنا لم أكن أطلب أكثر من هذا القدر من الجبر.

كنت أتمنى كلمة أمل، أو دعوة صادقة بزوج صالح، أو بتفريج الهم والكرب، أو تذكيرًا بأن أبواب الحياة لم تُغلق أمامي، وأن تأخر الزواج لا يعني انتهاء الأمل. لم أكن أتوقع أبدًا أن يكون ما كتبته سببًا للحكم عليّ بأنني سيئة الظن بالله، أو أنني لم أفهم معنى الابتلاء، أو أن حفظي للقرآن لم يصل أثره إلى قلبي، أو أن باطني فارغ لأنني ذكرت أنني أحاول أن أشغل وقتي بالقرآن والدراسة والعمل.

وأما القرآن، فقد عدت إليه بالفعل بعد رد حضرتك، لا لأنني اقتنعت بأن حفظي كان مجرد انشغال بالظاهر، وإنما لأن القرآن هو المكان الذي أجد فيه نفسي أصلًا. وقرأت قول نبي الله يعقوب عليه السلام: «إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ»، فشعرت أنني كنت مخطئة حين قررت أن أشكي همي وحزني إلى أحدٍ من البشر ربما كنت أحتاج فقط إلى من يسمعني وأنا في أشد حالات ضعفي، لا إلى من يفسر ألمي على أنه خلل في علاقتي بالله.

جزاكم الله خيرًا على وقتكم، وأرجو فقط أن تعلمي أن كلماتك، رغم أنني أعلم أن مقصدها قد يكون النصح، آلمتني بشدة، وربما لأنني كتبت إليكم وأنا أصلًا في أسوأ حالاتي النفسية، كنت أحتاج إلى جبر الخاطر قبل أي شيء آخر.

أسأل الله أن يجزيكم خيرًا، وأن يرزقني وإياكم حسن الظن به، والرضا عنه، واللجوء إليه، وأن يجبر قلبي جبرًا يليق بكرمه ورحمته.

الإجابة 29/09/2026

لم تتم الاجابة بعد

التعليقات

الرابط المختصر :