الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : استشارات أخرى
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
17 - رقم الاستشارة : 5712
29/08/2026
العام الماضي كان أصعب عام مر في حياتي، توفى أبي الذي كان صديقي المقرب وسندي في هذه الحياة وتوفيت زوجتي بعد زواج دام 7 سنوات.. كانت زوجتي وحبيبتي وصديقتي وكل عالمي.
أنا في بداية الثلاثين من عمري وغير قادر على التخطي تمامًا.. أحاول لكنني غير قادر حياتي متجمدة تمامًا.
أخي
الكريم، أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.
لقد
عانيت يا عزيزي من حالة فقد مضاعف.. والدك الذي كان السند والأمان في هذا العالم،
وزوجتك التي هي زوجة وصديقة وحبيبة وشريكة حياة؛ لذلك فمن الطبيعي أن تحزن حزنًا
عميقًا يملأ عليك قلبك.
الحزن
شعور إنساني نبيل وهو أحد المشاعر الأساسية الفطرية.. لذلك حزن الأنبياء حتى ابيضت
عينا يعقوب حزنًا على غياب يوسف، ونبينا محمد ﷺ تحدث بشكل صريح عن الحزن والدموع حين فقد
طفله الصغير إبراهيم وقال: "إن القلب ليحزن وإنا لعين لتدمع وإنا على فراقك
يا إبراهيم لمحزونون".
عام
الحزن
لقد
مر النبي ﷺ بتجربة مشابهة
لما تعيشه أنت في هذا الوقت؛ فلقد توفيت أم المؤمنين خديجة ولم تكن خديجة مجرد
زوجة (قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ
حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء)، وبعدها بفترة
قصيرة جدًّا لا تزيد عن شهرين بأقصى تقدير توفي عمه أبو طالب الذي رباه فكان
بمثابة والده والذي منع عنه أذى قريش (ما نالت مني قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو
طالب)، والأشد قسوة أنه مات وما نطق كلمة الشهادة، حتى أطلق بعض العلماء على هذا
العام الذي مر به النبي ﷺ عام الحزن...
لكن
حياة النبي ﷺ لم تتجمد.. ليس
لأنه تخطى الحزن وليس لأنه نسي خديجة وأبا طالب حتى أن السيدة عائشة غارت من كثرة
ما يذكر خديجة.. غارت من الزوجة الراحلة أكثر مما غارت من الزوجات الحاضرات! حياة
النبي ﷺ لم تتجمد لأنه
كان لديه رسالة في هذه الحياة.. رسالة موصولة بالسماء.. وجود هدف هو ما يجعلنا
نستطيع استكمال حياتنا رغم ما نعيشه من الحزن.
كيف
تتغير الحياة بعد الفقد؟
أخي
الكريم، أنت غير قادر على استعادة حياتك القديمة؛ لأن الحياة القديمة نفسها لم تعد
موجودة.. الدائرة القريبة لم تعد موجودة.. التفاصيل المعتادة لم تعد موجودة لذلك
أنت تشعر بالتيه.. غير قادر على العودة لحياتك القديمة؛ لأنك لم تعد تتعرف على
ملامحها وغير قادر على صناعة حياة جديدة تبدو لك تجسدًا للمجهول لذلك أنت واقف في
وضع التجمد.
بالطبع
من حقك الحزن كما ذكرت لك، والحزن ليس له وقت محدد يتحول بعده من مشاعر تنزف لذكرى
لا تمنع من استمرارية الحياة.. هذا يختلف من شخص لشخص.. الإنسان عندما يعبر عن
حزنه ولا يكبته يتعافى أسرع.. عندما يمنح نفسه الحق في الحزن والحداد يتعافى
أسرع.. عندما يعيش ألمه يتعافى أسرع، لكن كبت مشاعر الحزن والألم والتظاهر بالقوة
يجعل الحزن يتجذر داخل القلب ويستوطن ويجعل القلب غير قادر على الحياة.
في
الوقت ذاته عندما يستغرق الإنسان في مشاعر الحزن والحداد تمامًا ويمر عام عليه كما
حدث معك وهو متجمد تمامًا فهو بحاجة لدعم نفسي متخصص في علاج الفقد، وهذا لا يعني أنه
إنسان ضعيف، بل يعني ببساطة أنه إنسان بحاجة لمساعدة، وهو أمر لا يقلل منك أبدًا.
ساعد
نفسك
أخي
الكريم، سعيك للتعافي لا يعني أبدًا أن مشاعر الحب نحو الراحلين قد فترت في قلبك
أو أن وفاءك قد قَلّ، ولكن يعني أنك تحقق ما كان الراحلون يتمنونه لك.. تخيل لو
كان لوالدك القدرة أن يراك ويتواصل معك ورآك في حالة الحزن هذه.. ما كان سيقول لك؟
هل بإمكانك أن تكتب رسالة من والدك لنفسك؟
لو
أنك تنتظر أن مشاعرك تهدأ قليلاً حتى تستطيع المضي في حياتك فسوف تنتظر كثيرًا؛
لأن مشاعر الحزن المستمرة تعمل كوقود ذاتي لنفسها.. أنت بحاجة أن تتحرك حركة بسيطة
وتحقق هدفًا صغيرًا بل هدفًا متناهي الصغر حتى نحدث شرخًا في هذه الدائرة.
يكفيك
أن تقوم من الفراش وتذكر الله وتتوضأ ثم تنزل لصلاة الفجر.. أن تذهب لعملك وتمارسه
ولو بالحد الأدنى.. أن تتناول وجبتي طعام.. أن تستطيع النوم ليلاً ولو6 ساعات..
هذه الأشياء البسيطة لن تجعلك تنسى ولكن ستجعلك تعيش.. تعيش وأنت تصحب الحزن معك
بدلاً من أن يمنعك الحزن عن الحياة.. أما المشروعات الكبيرة وأحلام المستقبل فلا
تتعجل في التفكير فيها.. دع الوقت يقوم بعمله، فقط ابدأ بأهدافك متناهية الصغر،
فإن لم تستطع فلا بديل عن طلب الدعم المتخصص.. يسر الله أمرك وأسعد قلبك ورحم أحباءك.
روابط
ذات صلة:
طعم الحياة مر بعد وفاة زوجي.. كيف أتخطى ذلك؟