الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : الخطبة والعقد
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
190 - رقم الاستشارة : 4385
16/03/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أودّ استشارتكم، جزاكم الله خيرًا. أنا فتاة في أواخر سنوات الدراسة الجامعية. طوال حياتي كنت مجتهدة في دراستي، وغالبًا ما كنت الأولى على فصلي، والآن أنا على أبواب التخرّج من الجامعة. منذ طفولتي كان لدي حلم إكمال دراستي خارج البلاد، فقد كنت دائمًا أتطلع إلى تجربة الدراسة في الخارج واكتساب خبرات جديدة، خصوصًا أن لدي معارف وأصدقاء كثيرين درسوا خارج الوطن. لذلك كنت أنتظر الفرصة التي قد تتيح لي خوض هذه التجربة بنفسي.
لكن في هذه السنة تحديدًا، وبما أنها آخر سنة لي في الجامعة، بدأ يتقدّم لخطبتي بعض الشباب. وأنا في الحقيقة أرغب أيضًا في تكوين أسرة في سن مبكرة، ولدي اهتمام كبير بالتربية وعلم النفس، لكن في الوقت نفسه ما زلت متعلّقة بأحلام الطفولة التي انتظرت تحقيقها لسنوات طويلة.
وقد تقدّم لي مؤخرًا شاب ذو دين وخلق، وهذا أمر أقدّره كثيرًا. غير أنه اشترط عليّ ألا أعمل بعد الزواج وأن أبقى في البيت. في الحقيقة لا مشكلة لدي مع مسألة عدم العمل، فأنا أيضًا لا أطمح إلى العمل الوظيفي، وقد كنت دائمًا أتعلم من أجل نفسي ومن أجل تربية أبنائي مستقبلًا.
لكني شعرت أن نمط حياتي قد يتغيّر كثيرًا، ولا أدري إن كنت سأستطيع التكيّف معه. فأنا حاليًا أدرس بعيدًا عن البيت، والحمد لله أن والدي مقتدر، لذلك لدي مصروف يكفيني ويزيد، وأعيش حياة مريحة نوعًا ما: أخرج مع صديقاتي، وأتنقل بسهولة، ونسافر أحيانًا مع العائلة. لكن الشاب حديث التخرّج ولا يملك سيارة حاليًا ووضعه يعني في بداياته، فخشيت ألا يستطيع توفير نمط الحياة الذي اعتدت عليه، خاصة إذا كنت سأضحّي أيضًا بفكرة إكمال الدكتوراه أو تجربة الدراسة في الخارج.
أشعر أحيانًا أن طموحاتي قد تكون أكبر من الواقع الذي قد أعيشه معه، رغم أن شخصيته ودينه وأخلاقه أعجبتني كثيرًا، وهو شاب يريد العفاف والاستقرار. أخشى إن قبلت به أن أندم مستقبلًا لأنني تخلّيت عن بعض أحلامي. وفي المقابل أخاف إن رفضت أن تمرّ الفرص دون أن تتحقق تلك الأحلام أصلًا، فأجد نفسي بلا زواج ولا تحقيق لما كنت أطمح إليه. أنا في حيرة كبيرة، ولا أدري ما القرار الصحيح. فبماذا تنصحونني؟ بارك الله فيكم وجزاكم خيرًا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ابنتي الكريمة، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.
قرار الزواج -يا ابنتي- هو قرارك الشخصي الذي ينبغي أن تتخذيه وحدك فقط واجبنا أن نحاول إضاءة بعض النقاط المعتمة التي قد تساعدك في رؤية الصورة بشكل أوضح.
دعيني في البداية نحاول تحليل ما يحدث داخلك فأنت تعيشين درجة من الصراع بين طموحك العلمي الذي كنت تحلمين به منذ طفولتك.. فأنت تتمنين دراسة الماجستير والدكتوراه، كما أنك كنت تحلمين باستكمال دراستك في الخارج.
وفي الوقت نفسه تهفو لفطرتك للزواج وتكوين بيت ولديك مشاعر أمومية جميلة، بل أنت لا تمتلكين طموحًا مهنيًّا ورغبة في العمل المأجور، أنت فقط تريدين أن تساعدي أولادك بتعليمك العالي.
وهناك مشكلة أخرى أراها شديدة الأهمية رغم أنك طرحتها بشكل هامشي ألا وهي أنك تعيشين في مستوى مادي مرتفع وتتمتعين بحياة يغلب عليها الحرية، بينما الشاب المتقدم لك ما زال في بدايات حياته.
دعينا نتحدث بصراحة الشاب يعجبك بأخلاقه وتدينه وشخصيته ولكنك خائفة من عدم قدرتك على التكيف ومن شعورك بالندم لاحقا إذا تخليت عن طموحاتك.. وخوفك من الندم خوف مركب لأنك تخافين أيضًا أن تفقدي حلم الأسرة المستقرة، بل وخائفة من ألا تستطيعي تحقيق أهدافك أيضًا وأن تكوني قد خسرت كل الأحلام.
فقه الأولويات
ابنتي الغالية، فقه الأولويات لا بد أن يشمل جميع مناحي حياتنا؛ لذلك أريدك أن تأتي بورقة وقلم وتكتبي فيها كل طموحاتك، ما ذكرته في هذه الرسالة وما لم تذكريه، ثم تبدئين بتحليل كل حلم وتقومين بترتيبها ترتيبًا تنازليًّا فتأتي على رأس القائمة أهم الأحلام ثم الذي يليه.. أهمية كل هدف أو حلم مرتبطة بمدى احتياجك الحقيقي له، وأنت وحدك من يستطيع تقييم ذلك، ولكن فقط سأحاول تنظيم الأهداف معك.
ـ أنت في أواخر دراستك الجامعية، أي أنك في سن مناسب تمامًا للزواج، والزواج احتياج فطري أساسي، وأنت فتاة سوية الفطرة، أي أنك بحاجة للزواج.
ـ لكن هل يشترط الزواج من هذا الشاب هذه مسألة أخرى.. الشاب على خلق.. جاد في الزواج.. شخصيته جذابة لكن ظروفه المادية ليست جيدة.. لقد اشترط عليك أيضًا عدم العمل فهل يقبل باستكمال تعليمك حتى تصلي لمرحلة الدكتوراه؟.. هل لديه الاستعداد للنفقة على تعليمك؟ هل لديه مشكلة مع خروجك المتكرر من البيت للذهاب للجامعة؟ هل يقبل بوجود حياة اجتماعية خاصة بك كالخروج مع الصديقات مثلاً؟ بمعنى أدق هل هو شخص مرن أم لا؟
ـ أنت تحبين التعلم وكنت دائمًا متفوقة، فهل ما يشغلك هو العلم أم التفوق؟ أريدك أن تجيبي نفسك بصدق؛ لأن هذه أسئلة مهمة ستنعكس على قدرتك على اتخاذ القرار. هل تسعين وراء العلم أم ترغبين أن يقال عنك عالمة متفوقة؟ هل تسعين للدراسة في الخارج لأنها ذات مستوى دراسي أعلى أم بسبب الزخم الذي يحيط الدارسين بالخارج؟
ـ هل أنت شخصية مرنة؟ هل يمكنك استكمال دراستك العليا في بلدك؟ هل يمكنك أن تحصلي على دورات علمية متخصصة ولها شهادة عبر الإنترنت؟
ـ هل يمكنك أن تكوني مرنة فيما يتعلق بالأمور المادية.. هل تستطيعين التكيف مع مستوى مالي أقل مما تعيشين فيه؟ وإن كانت الإجابة نعم، فإلى أي حد لديك استعداد للتنازل؟
تدريب التخيل
سجِّلي إجاباتك بصدق حتى يتبين لك احتياجاتك الحقيقية وما هي طبيعة الأولويات بالنسبة لك.. وإليك تدريب يفيدك جدًّا في حسم قرارك النهائي:
اجلسي في مكان هادئ وتنفسي بعمق عدة مرات ثم صلي على النبي 10 مرات حتى تشعري باسترخاء شديد.. أغمضي عينيك وتخيلي أنك تزوجت هذا الشاب ما هي تفاصيل يومك الصغيرة؟ وهل تسعدك أم لا؟
تخيلي أيضًا أنك تزوجت ولكن بشخص آخر أكثر رفاهية في حياته وأكثر مرونة معك؟
حاولي أن تعايشي تفاصيل حقيقية حتى يكون التدريب مجديًا.. إننا نسعى لتصور شكل أَولي لحياتك في المستقبل ومدى تقبك لشكل الحياة.. إذا كنت منزعجة من مجرد التصور فكيف سيكون الواقع؟
بينما إذا كنت متقبلة متفهة لشكل الحياة فهذه إشارة إيجابية ولكنها غير كافية فلا بد من دعمها بمزيد من المعلومات.
نفس الأمر تخيلي نفسك وأنت تسافرين وتدرسين وتعيشين في الخارج.. هل هذه هذه الحياة التي تحلمين بها؟
تخيلي أيضًا صورة هي مزيج نسبي من كل أهدافك، فأنت متزوجة من شخص خلوق ومرن ويدعمك وفي الوقت ذات تشبعين طموحك العلمي بصورة واقعية.
فائدة هذا التدريب أنه يقوم بتجسير الفجوة بين الأهداف المستقبلية وبين الواقع حتى لا تشعري أن أحلامك أكبر من الواقع، وفي الوقت ذاته لا يدفعك ذلك لإنكار طموحك وعيش حياة لا تشبهك.
في ضوء فحصك لأحلامك وترتيب أولوياتك وتخيلك لشكل حياتك يمكنك قبول هذا الخاطب أو رفضه أو الجلوس معه مرة أخرى للحصول على مزيد من المعلومات والحديث معه بصراحة عن أهدافك وطموحاتك، وتقييم رد فعله ومدى اهتمامه بأفكارك، وهل يمكن أن يصل معك لحلول وسطى أم لا، فإن وافقت عليه فأمامك فترة خطبة هي فرصة كبيرة للتعرف عليه وعلى شكل حياتك فيما بعد.
وإن رفضته فهذا لا يعني أنك ترفضين مبدأ الزواج ذاته أو أنك سوف تضحين به من أجل استكمال دراستك في الخارج، بل يعني أنك بحاجة لشخص أكثر مرونة وتفهمًا وأكثر كفاءة لك من حيث المستوى المادي.
تذكري –غاليتي- أن سعيك وراء الكفاءة من الناحية المادة ليس ذنبًا أو خطيئة وإنما هو نظرة واقعية. أيضًا تذكري أنه قد يكون هناك خاطب صاحب دين وخلق، ولكن ظروفه لا تناسبك.
وخذي من قوله ﷺ (سددوا وقاربوا) مبدأ لك في الحياة، فابحثي عن الحل الذي يحقق لك معظم احتياجاتك حتى لو لم يكن كاملاً فقط قاربي.. أسعد الله قلبك وأراك الحق حقًّا ورزقك اتباعه، وفي انتظارك دائمًا.
روابط ذات صلة:
الزواج أم الجامعة.. المعادلة محيرة!!
الزواج والدكتوراه والسفر.. دوامة الاختيار