الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : وساوس وشكوك
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
162 - رقم الاستشارة : 4290
05/03/2026
السلام عليكم.
كلما تأملت في أحوال الخلق يثار لدي سؤال يتعلق بفلسفة الابتلاء وتفاوت الأرزاق، ولكن من زاوية تتصادم مع كثير مما نسمعه في المواعظ التقليدية، بل وتبدو لأول وهلة وكأنها تتعارض مع ظاهر بعض النصوص القرآنية.
نسمع دائمًا من المشايخ عبارات من قبيل: (المؤمن مُصاب) و(إذا أحب الله عبدًا ابتلاه(، ونجد القرآن الكريم يضع قواعد تبدو في ظاهرها مطردة، كقوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا}، وقوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}؛ لكن الواقع الذي أعيشه وأراه حولي يقدم صورة أكثر تعقيدًا لا تخضع لهذه القواعد.
فأنا أرى حولي مؤمنين صالحين يعيشون في رغد من العيش، صحة وافرة، ونجاحات متتالية، ولم تمر بهم مصيبة كبرى. فأين قاعدة المؤمن مصاب؟ وكيف نفهم الحياة الطيبة هنا كنعيم مادي ملموس بينما يُحرم منها مؤمن آخر لا يقل عنه صلاحًا؟
وأرى مؤمنين في غاية التقوى، لكن حياتهم سلسلة لا تنتهي من الفقر والمرض. فأين وعد الحياة الطيبة بالنسبة لهم؟
وأرى أناسًا بعيدين كل البعد عن منهج الله، ومع ذلك يعانون من الأزمات النفسية والمادية والجسدية، مما يجعل المعيشة الضنك واقعًا يطولهم، لكنه ينفي في الوقت ذاته فكرة أن الدنيا جنة الكافر كقاعدة مطلقة.
وبالمقابل هناك من يسرف على نفسه بالمعاصي وهو في قمة القوة والترف، ولا نرى أثرًا للضنك في حياته المادية الظاهرة.
فلماذا لا توجد قاعدة مطردة نراها بأعيننا؟
ولماذا يبدو أن توزيع الأرزاق والمصائب لا يسير وفق معيار الصلاح والفساد كما يساق لنا في الخطاب الوعظي؟
فهل الحياة الطيبة والمعيشة الضنك –مثلًا- مفاهيم نفسية باطنية لا علاقة لها بالظروف المادية؟ وكيف نرد على حصر الابتلاء بالصالحين بينما نرى العصاة يتعرضون له أيضًا؟
أرجو توضيح هذه المسألة لنفهم الحقيقة والحكمة الربانية وراء هذا التداخل.
وجزاكم الله خيرًا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على مراسلتنا، وأسأل الله العلي القدير أن يفتح عليك فتوح العارفين، وأن يشرح صدرك بنور اليقين، وأن يريك الحق حقًّا ويرزقك اتباعه، ويريك الحكمة من تدبيره في خلقه. اللهم آتِ كلًّا منا سؤله فيما يرضيك، واجعلنا ممن فهموا عنك مرادك في السراء والضراء، وبعد...
فإن ما تفضلت به من ملاحظات هو في الحقيقة لُب الابتلاء؛ فلو كانت القواعد تسير بآلية حسابية (1+1=2) بحيث يغتني كل مؤمن، ويفتقر كل كافر فورًا، لبطل معنى الإيمان بالغيب، ولأصبح الناس يعبدون الله طمعًا في الرزق المادي (المضمون) فقط، وخوف الحرمان منه!
إن الله -سبحانه وتعالى- يدير الكون بحكمة بالغة، حيث تتداخل الأقدار مع الشرائع لتنتج مشهدًا يحتاج إلى بصيرة ثاقبة وقلب واعٍ.
مفهوما «الحياة الطيبة» و«المعيشة الضنك»
لقد أصبت في تساؤلك: «هل هي مفاهيم نفسية؟» الإجابة: نعم، فهي في جوهرها «حالة قلبية» تنعكس على السلوك، وليست قائمة كشف حساب بنكي!
يقول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]. والحياة الطيبة ليست هي انعدام المشكلات ولا توفر الأموال؛ بل هي الرضا والسكينة.
يقول ابن القيم رحمه الله: «الحياة الطيبة هي حياة القلب، وبهجته، وسروره بالإيمان، ومعرفته بالله، ومحبته له» [مدارج السالكين]. فمثلًا: قد تجد مؤمنًا يملك القليل من متاع الدنيا؛ لكنه ينام قرير العين، يشعر بمعيَّة الله، بينما تجد آخر يملك الملايين لكن القلق ينهش قلبه، يخشى الخسارة، ولا يشبع أبدًا؛ فأيهما يُعدُّ في «حياة طيبة»؟!
والمعيشة الضنك هي ضيق الصدر ووحشة الروح، حتى لو اتسعت الدنيا. يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 124]. والضنك هنا ليس فقرًا بالضرورة؛ بل هو فقدان البركة وفقدان الغاية.
وكم رأينا أثرياء لم يعرفوا طريق الله، كانوا يملكون كل شيء، لكنهم يعيشون في غم وضيق وضنك، ولا يذوقون طعم السعادة، وبعضهم انتحر في أوج شهرته وثروته. فالضنك الحقيقي هو خلو الروح من ذكر الله.
شمولية مفهوم الابتلاء
لقد حصر الخطاب الوعظي أحيانًا الابتلاء في المصائب، وهذا خطأ منهجي. والحقيقة أن الفقر ابتلاء، وأيضًا الغنى ابتلاء.
فالمؤمن المنعَّم هو في ابتلاء الشكر. هل سيطغى؟ هل سيؤدي حق الله؟ يقول تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35].
والمؤمن الفقير هو في ابتلاء الصبر. والأنبياء -وهم أحب الخلق إلى الله- كانوا أشد الناس بلاءً. يقول النبي ﷺ: «أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل» [رواه الترمذي].
فإذا رأيت مؤمنًا في رغد، فلا تقل: أين الابتلاء؟، بل قل: هو الآن في ابتلاء الشكر، وهو لا يقل شدة عن ابتلاء الصبر. والعكس صحيح.
سُنَّة «الاستدراج»
لماذا نرى عصاة في قمة الترف؟
إنها سنة «الاستدراج» يا أخي. يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44]. فالله يفتح لهم الدنيا ليس حبًّا فيهم؛ بل ليكون سقوطهم من علوٍّ أشد ألمًا، وليقيم عليهم الحجة التامة. وفي المقابل، نجد عاصيًا يعاني من الأزمات، وهذا من رحمة الله به؛ لعل الضنك المادي يوقظ قلبه ليعود إلى ربه.
لماذا لا توجد قاعدة مطِّردة؟
لو كان الصلاح يؤدي حتمًا إلى الغنى الفوري، والمعصية تؤدي حتمًا إلى الفقر الفوري لفسدت نية البشر.
إن الإيمان الحقيقي هو تصديق «الخبر» لا تصديق «المشاهدة». فالله يريد أن يعبده العبد لأنه «رب»، لا لأنه «مورِّد أرزاق»!
إن الله يعلم أن من عباده من لا يُصلحه إلا الفقر، ولو أغناه لفسد. ومنهم من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقره لكفر. هو سبحانه عليم بتركيبة كل نفس.
أما عن قول النبي ﷺ: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» [رواه مسلم]. فمعناه أنه مهما تنعَّم المؤمن في الدنيا فهي سجن بالنسبة له، مقارنة بما ينتظره في الآخرة. ومهما شقي الكافر فيها فهي بالنسبة له جنة، مقارنة بما سيلاقيه في الآخرة إن أصر على إعراضه.
رد شبهة التداخل
أما قولك إن العصاة يصابون أيضًا، فهذا يؤكد أن السنن الكونية (كالمرض والفقر) تجري على الجميع؛ لكن الفرق في «الاستقبال» و«النتيجة»، فالمؤمن تصيبه المصيبة فتكون له رفعة وتكفيرًا، والعاصي تصيبه المصيبة فتكون له ردعًا أو عقوبة.
تخيل –مثلًا- شخصين في غرفة واحدة، هجم عليهما برد شديد. الأول مؤمن صابر، يتدفأ بالرضا، ويرى في البرد تذكيرًا بنعمة الله. والثاني ساخط معترض، يرى في البرد ظلمًا ووجعًا. الظرف المادي واحد (البرد)؛ لكن المعيشة النفسية مختلفة تمامًا.
وختامًا أيها السائل المبارك، إن الحكمة الربانية تقتضي أن تكون الدنيا دار ممر وقاعة اختبار. والمعايير المادية (المال، والصحة) هي أدوات هذا الاختبار، وليست هي «الشهادة» أو «النتيجة». فالنتيجة الحقيقية هي حال القلب مع الله في وسط هذه المتغيرات.
إن الحياة الطيبة هي أن تملك الرضا في قلبك؛ سواء كنت فوق سرير من حرير أو على رمال الصحراء. والمعيشة الضنك هي أن يضيق عليك كونك الواسع لأنك فقدت الاتصال بخالقك.
أسأل الله أن يرزقك قلبًا سليمًا، يرى المنع عطاءً، ويرى الابتلاء اصطفاءً. اللهم اغفر لنا جهلنا، وثبِّت قلوبنا على دينك، واجعل حياتنا طيبة بذكرك وطاعتك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط ذات صلة:
لماذا يبدو الشرع كأنه يتعارض مع واقعنا المعاصر؟