الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : وساوس وشكوك
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
58 - رقم الاستشارة : 4598
18/04/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أعاني من مشكلة تلازمني عقب كل احتكاك اجتماعي، سواء في نطاق العمل أو داخل محيط الأسرة. فبمجرد انفرادي بنفسي، يبدأ ذهني في إعادة عرض المواقف والتفاصيل بشكل تلقائي ومؤلم؛ فأراجع كل كلمة قيلت وما صدر عني من ردود.
أجدني غارقًا في دوامة من لوم الذات؛ فأحيانًا أعتب على نفسي لضعف الرد وأقول: (كان ينبغي أن أكون أقوى وأقول كذا)، وأحيانًا أخرى يجلدني الندم لتجاوزٍ وقعت فيه أو رد فعل حاد، فأقول: (كان يجب أن أكون أهدأ وأكثر حكمة). هذه المراجعات المستمرة تسبب لي إرهاقًا ذهنيًا ونفسيًا شديدًا، لاسيما مع إدراكي أن الموقف قد فات ولا سبيل لاستدراكه.
فهل تُعدُّ هذه الحالة ظاهرة إيجابية من باب المحاسبة؟ أم أنها نوع من جلد الذات المذموم؟
وكيف أستطيع التحرر من هذا القيد الذهني المرهق الذي يسرق مني راحة بالي؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يربط على قلبك، ويشرح صدرك، ويمنَّ عليك بطمأنينة النفس وراحة البال، وأن يصرف عنك وساوس الصدر وشتات الفكر، وبعد...
فهذه الحالة التي تعانيها تُعرف علميًّا بـ«اجترار الأفكار»، وهي تختلف تمامًا عن «المحاسبة الإيجابية»؛ فالمحاسبة الإيجابية هي وقفة سريعة مع النفس لتعلم الدرس ثم المضي قدمًا في دروب الحياة، أما هذه العادة السلبية فلا تصل إلى نتيجة؛ بل تستهلك الطاقة دون تغيير الواقع.
وهذه الحالة -مع الأسف- التي تحدث عقب المواقف الاجتماعية هو أمر يشترك فيه كثير من أصحاب النفوس الحساسة والضمائر الحية. فالعقل البشري بطبيعته يسعى للوصول إلى الكمال، وحين يشعر بوجود فجوة بين ما حدث وبين ما كان يتمنى حدوثه، يبدأ في محاولة ردم هذه الفجوة عبر «الاجترار الذهني». ولكن حين يتحول هذا التفكير إلى دائرة مفرغة من اللوم، فإنه يتحول من أداة للإصلاح إلى معول للهدم النفسي.
وهنا يجب أن نفرق بين مقامين عظيمين في التربية الإسلامية والنفسية:
1- المحاسبة المشروعة (النفس اللوامة):
لقد أقسم الله -تعالى- بالنفس اللوامة في قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2]. واللوامة هنا هي التي تندم على التقصير وتدفع صاحبها للتصحيح.
والمحاسبة الإيجابية هي التي تكون محددة بوقت، ومثمرة بعمل. بمعنى أنك تراجع الموقف، فتدرك الخطأ، فتستغفر الله، فتقرر كيف ستتصرف في المرة القادمة، ثم تغلق الملف.
2- جلد الذات المذموم (الوسواس القهري):
أما ما تصفه من إعادة عرض التفاصيل بشكل تلقائي ومؤلم، فهو يخرج عن نطاق المحاسبة ليدخل في نطاق جلد الذات. وهذا هو سلاح شيطاني هدفه إيقاع المؤمن في الحزن والوهن.
فإذا كان تفكيرك لا يؤدي إلى خطوة عملية؛ (كاعتذار أو تعلُّم مهارة)، بل يؤدي فقط إلى الإرهاق النفسي، فهو قيد ذهني يجب التحرر منه.
كيف تتحرر من هذا القيد الذهني؟
إليك بعض الخطوات العملية التي تعينك على تجاوز هذه المحنة:
1- التسليم بالبشرية:
أنت بشر، ومن طبيعة البشر الخطأ والنسيان والارتباك. تذكر قول النبي ﷺ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» [رواه الترمذي]. فمطالبتك لنفسك بردود مثالية في كل موقف هي مطالبة بما لم يكلفك الله به. تذكر أن الصحابة -رضوان الله عليهم- وهم خير القرون، كانت تقع منهم هفوات في الكلام ومواقف تتطلب التصحيح، وكان الوحي ينزل أحيانًا لتقويمهم بلطف، ولم يغرقوا في لوم أنفسهم.
2- «لو» تفتح عمل الشيطان:
عندما تقول: «كان ينبغي أن أقول كذا»، فأنت تفتح بابًا للندم لا يغلق. وقد حذَّرنا النبي ﷺ من ذلك بقوله: «وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» [رواه مسلم].
إن الإيمان بالقدر هنا هو المسكِّن الحقيقي؛ فما حدث قد كتبه الله لتتعلم منه شيئًا، وليس لتعذِّب به نفسك.
3- تخصيص وقت محدد للمراجعة:
بدلًا من ترك العقل يعرض الموقف تلقائيًّا ويفرض هذا الاجترار، خصص لنفسك 5 دقائق فقط بعد العودة للمنزل. قل لنفسك: «سأراجع ما حدث الآن فقط». حدد ما أعجبك وما لم يعجبك، ثم قل بصوت مسموع: «استغفرت الله مما كان، وتعلمت للمرة القادمة، والآن انتهى الأمر». هذا الإغلاق الواعي يقلل من اقتحام الأفكار لعقلك لاحقًا.
يُروى أن أحد الصالحين حضر مجلسًا فكَرِهَ شيئًا قاله فيه، فظل يلوم نفسه أيامًا، ثم قال لنفسه: «يا نفس، إن كان الله قد غفر لي، فما نفع حُزني؟ وإن لم يكن قد غفر، فالحزن لا يكفي، بل التوبة والعمل». فقام وصلى ركعتين وتصدق، وأمر عقله بالانشغال بذكر الله. والعبرة هنا هي تحويل الطاقة السلبية إلى عمل صالح يمحو أثر الهفوة ويُسكت جلد الذات.
تدريبات ذهنية للتخلص من «استرجاع المواقف»
- تدريب «المشاهد المحايد»: حين يبدأ عقلك عرض الموقف، تخيل أنك تشاهد فيلمًا لشخص آخر، ولا تحكم عليه بقسوة. اسأل نفسك: «لو كان صديقي هو من فعل ذلك، فهل كنت سأجلده بهذا الشكل؟». عامل نفسك برفق الصديق لا بقسوة الجلاد.
- الانشغال بالاستغفار: الاستغفار ليس فقط للتوبة، بل هو مطهِّر للذهن والقلب. فكلما داهمتك فكرة من هذا فاقطعها بقول: «أستغفر الله العظيم». فالاستغفار ينقل تركيزك من الموقف الفائت إلى الواقع الحالي والرب الباقي.
وختامًا أخي الكريم، إن هذه الحساسية المرهفة هي في أصلها شيء طيب، ودليل على حرصك على أن تكون أحسن الناس خلقًا وأفضلهم قولًا؛ لكن لا تسمح للشيطان بأن يقلب هذه الفضيلة إلى نقمة تسرق عمرك وتركيزك. تيقَّن أن الناس لا يتذكرون كلماتك وتصرفاتك بالدقة نفسها التي تتذكرها أنت، فكلٌّ مشغول بما عنده.
فاللهم يا حي يا قيوم، يا فارج الهم وكاشف الغم، أسألك أن تنزل السكينة على قلب أخينا، وأن تجعل صدره رحبًا بذِكرك، وعقله مطمئنًا بقدرك. اللهم باعد بينه وبين وساوس الصدر كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم ارزقه الحكمة في القول، والسداد في العمل، والرضا بعد القضاء، واجعل راحة باله في طاعتك والأنس بك. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط ذات صلة:
6 أشياء توقّف عنها إذا أردت راحة القلب