«داعيتي المفضل».. كيف أميِّز بين إعجابي بعلمه وتعلُّقي بشخصه؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : روح العبادات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 458
  • رقم الاستشارة : 2335
12/08/2025

أنا بنت، ولله الحمد أحاول ألتزم بديني وأقرب من ربي. ومرة من المرات، طحت على محاضرات لداعية معروف، وما أدري شلون، تعلقت بكلامه وايد، وحسيت إنه يلامس قلبي.

الحين صاير هالداعية هو بوصلتي بكل شي بحياتي. صرت آخذ منه كل شي، من طريقة التفكير لي القرارات اللي آخذها. وإذا سمعت لداعية ثاني وخالفه بشي، حتى لو كان خلاف بسيط وعادي، أحس بضيقة مو طبيعية بصدري.

أخاف إني أكون قاعدة أبالغ بهالتعلق، وإنه يكون مو صحي. يعني خايفة أكون خليت شخصه هو ميزان الحق، مو كلام الحق. وخايفة بعد يتحول هالتعلق من إعجاب بعلمه إلى إعجاب بشخصه، وهذا اللي مابي أوصل له.

شنو الضابط الشرعي الصحيح عشان نقتدي بالشيوخ والدعاة؟ يعني شلون أعرف الفرق بين الاقتداء اللي فيه فايدة، والتعلق الزايد عن حده أو الشخصي؟

شنو الطريقة اللي ممكن أسويها عشان أعدّل هالتعلق؟ أبي أخليه تعلق مفيد أستفيد منه بديني ودنياي، ما يخليني أعظم بشر زيادة عن اللزوم واتعلق به وأرفض كلام أي أحد ثاني.

أنتظر ردكم بفارغ الصبر.

الإجابة 12/08/2025

مرحبًا بك يا ابنتي، وأشكر لك ثقتك الغالية التي وضعتِها فينا، وأسأل الله أن يجعلنا أهلاً لها. وأدعو الله أن يبارك لك في سعيك للتقرب إليه، وأن يثبِّت قلبك على الحق والخير، وأن يرزقك محبته ورضاه، وبعد...

 

فإن حب العلماء والدعاة الصادقين هو من حب الله، والاقتداء بهم في علمهم وعملهم أمر محمود. ولكن يجب أن نعلم أن الاقتداء بهم يكون في اتباعهم للحق، لا في شخوصهم. فالعلماء والدعاة بشر، يصيبون ويخطئون، وليس هناك معصوم من الخطأ بعد الأنبياء عليهم السلام.

 

الميزان هو الكتاب والسنة:

 

إن الميزان الذي يجب أن نزن به كل موقف من مواقف حياتنا هو كتاب الله -تعالى- وسنة نبيه ﷺ. فإذا وافق كلام العالِم الكتاب والسنة، أخذنا به، وإذا خالفه تركناه. فالله تعالى يقول: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59].

 

إياك والغُلُو في الأشخاص:

 

إن التعلق المبالغ فيه بالعلماء والدعاة قد يقودنا إلى الغُلو فيهم، وهو ما حذَّر منه النبي ﷺ. فقد قال: «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» [رواه ابن حبان]. إن هذا الغلو يجعلنا نرفض أي رأي آخر، حتى لو كان صحيحًا، لمجرد أنه يخالف من نحبه، وهذا يضيِّق علينا سعة الإسلام ورحمته.

 

كيف نتعلق بالحق لا بالشخص؟

 

إن رغبتك في تعديل هذا التعلق بشخص الداعية الذي تفضلين هو بداية الطريق الصحيح، وهذه بعض الخطوات العملية التي يمكن أن تساعدك:

 

1- وسِّعي دائرة قراءاتك واستماعك: لا تقتصري على داعية واحد فقط؛ بل استمعي لعدة علماء من الثقات المشهود لهم بالعلم والفضل، وستكتشفين أن الحق ليس حكرًا على أحد. هذا سيمنحك رؤية أوسع وأكثر شمولاً، ويساعدك على التمييز بين الاختلاف المقبول في وجهات النظر، والخلافات الجوهرية التي يجب الوقوف عندها وتمحيصها.

 

2- فرِّقي بين «القدوة» و«الميزان»: اتخذي الداعية -أي داعية- قدوة حسنةً في أخلاقه وورعه وتقواه، ولكن اجعلي كلام الله وسنة نبيه هو الميزان الذي تزنين به كل شيء. فالقدوة تُؤخذ منها المزايا، والميزان يُرد إليه كل كلام.

 

3- تذكري أننا جميعًا تلاميذ للحق:

 

حتى العلماء والدعاة تلاميذ للحق، قد يخطئون، وقد يرجعون عن خطئهم إذا بان لهم الصواب. والواجب علينا أن نتبع الدليل لا الأشخاص. تذكري قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكم مِّن رَّبِّكم﴾ [الزمر: 55]. وكُلٌّ يؤخذ من كلامه ويُترَك، إلا النبي ﷺ، كما قال الإمام مالك رحمه الله.

 

4- حددي مصادر التعلق: اسألي نفسك: ما الذي يجعلني أتعلق بهذا الداعية تحديدًا؟ هل هو أسلوبه الجذاب؟ أم أنه يلامس مشكلة شخصية لدي؟ هذا التساؤل سيساعدك على فصل العاطفة عن الفكر، والتعلق الشخصي عن الاقتداء العلمي.

 

5- الدعاء والاستعانة بالله: إن الدعاء هو سلاح المؤمن. ارفعي كفيك ضارعتين إلى الله تعالى، واطلبي منه أن يهديك إلى الحق، وأن يجنبك الغلو في الدين، وأن يجعل تعلقك به وحده. ادعي بهذا الدعاء المأثور عن النبي ﷺ: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» [رواه مسلم].

 

وختامًا -يا ابنتي- تذكري أن هدفنا الأسمى جميعًا هو الوصول إلى الله عز وجل، وجميع الوسائل، من دعاة وكتب ومحاضرات، ما هي إلا جسور تساعدنا على الوصول إليه. فلا تجعلي الجسر هو الغاية؛ بل اجعلي الغاية هي الله وحده.

 

أسأل الله أن يرزقك محبة الحق وأهله، وأن يبارك لك في سعيك وطلبك للعلم، وأن يثبِّت قلبك على طاعته، ولا تنسينا في دعائك.

الرابط المختصر :