الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : روح العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
471 - رقم الاستشارة : 3917
24/01/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
عندي مشكلة بتتكرر كل سنة مع اقتراب شهر رمضان، وهي إن الأهل والأقارب والأصهار بيبدأوا من بدري ينسقوا مع بعض جدول العزومات المتبادلة، والجدول ده بيبدأ من أول يوم في الشهر.
العزومات دي بتسحب الوقت بشكل مش طبيعي؛ بداية من التجهيز والتحضير اللي بيرهقنا طول اليوم، لغاية المشاوير والزحمة، والقعاد بعد الفطار بالساعات في كلام عام ودردشة وتسامر وفرجة على التلفزيون، ممكن يوصل لغاية السحور. كل ده بيضيع علينا أوقات غالية جدًا، المفروض نقضيها في الصلاة والقرآن والعبادة.
أنا بكون في حرج كبير جدًّا من الرفض، عشان خايف حد يزعل مني أو يفتكروني قاطع للرحم أو إني انطوائي، وكل سنة أنوي إني أدير العزومة بشكل مختلف أو أخلي فيها ذكر وعبادة، لكن الجو العام واللمة بيغلبوني، وبلاقي نفسي مش قادر أتحكم في الوقت، وبخرج من اليوم وأنا حاسس بندم رهيب على ضياع وقتي أنا وأسرتي.
محتاج أعرف إزاي أوازن شرعًا وعرفًا بين صلة الرحم وبين إني أحافظ على وقتي في رمضان؟
وهل عليا ذنب لو اعتذرت عن العزومات دي عشان أتفرغ للعبادة ولبرنامجي مع أسرتي؟
وإيه أفضل طريقة اجتماعية أعتذر بيها من غير ما حد يزعل أو أكسر بخاطره؟
مرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على تواصلك معنا، سائلًا الله -عز وجل- أن يبلغك وإيانا رمضان ونحن في أحسن حال، وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام وصالح الأعمال، وأن يرزقك الحكمة في إدارة وقتك وبيتك بما يرضيه عنك، وبعد...
فإن هذا الصراع الذي تشعر به هو صراع محمود؛ فأنت تحب الله وتريد القرب منه، وفي الوقت ذاته تحب أهلك ولا تريد قطيعتهم. والشعور بالندم على ضياع الوقت فيما لا يفيد أو فيما يشغل عن العبادة، هو علامة إيمان؛ فالمؤمن الحق هو من يحاسب نفسه على الأنفاس؛ لا على الساعات فقط.
وشهر رمضان هو محطة تزويد إيمانية كبرى. وإشكالية العزومات المتكررة أنها تحول هذا الشهر من شهر للعبادة إلى شهر للمجاملات الاجتماعية، وهنا تكمن الفجوة التي يحاول الشيطان أن يملأها بالانشغال بالمباحات (الأكل والسمر) عن القُرُبات (الصلاة، والذِّكر، والقرآن).
فلسفة العبادات في رمضان وغيره
أخي الحبيب، إن العبادة في الإسلام ليست طقوسًا منعزلة عن الحياة، بل هي منهج ينظم علاقة الإنسان بخالقه وعلاقته بالخلق. ومع ذلك، فإن لرمضان خصوصية الانقطاع النسبي لله؛ فالله -عز وجل- يقول في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به» [متفق عليه]. هذا التخصيص (لي) يوحي بالخلوة والخصوصية بين العبد وربه.
والهدف من الصيام هو التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، والتقوى تحتاج إلى سكون فكر وهدوء نفس، وهو ما يصعب تحقيقه في ضجيج المجالس الطويلة التي تمتد للسحور.
التوازن بين صلة الرحم والحفاظ على الوقت
شرعًا، صلة الرحم واجبة، والقطيعة محرمة. ولكن، هل صلة الرحم تعني إهدار الأوقات في القيل والقال؟ الجواب: قطعًا لا.
إن الصلة تحصل بالسلام، بالسؤال، بالزيارة الخفيفة، أو حتى باتصال هاتفي. لم يقل الشرع إن الصلة لا تتحقق إلا بالجلوس ساعات طوال على مائدة الطعام وبعده!
والعبادة الفردية في رمضان (قيام الليل، ورد القرآن) لها وقت محدد يذهب ولا يعود، بينما اللقاءات الاجتماعية يمكن تعويضها.
وقد كان السلف الصالح إذا دخل رمضان يتركون حتى مجالس العلم والحديث إلى المصحف. يُروى عن الإمام مالك أنه كان إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف. فإذا كان هذا حالهم مع مجالس العلم، فما بالك بمجالس الدردشة العامة، ومشاهدة ما قد يكون محرمًا!
هل عليك إثم في الاعتذار للتفرغ للعبادة؟
لا إثم عليك أبدًا، بل قد تؤجر على هذا القرار إذا اقترن بنية صالحة.
إن العزومات في أصلها مباحة، بينما تدبُّر القرآن، والقيام، والاجتهاد في العبادات مستحبات مؤكدة، وقد تصل للوجوب في حق من يربِّي أولاده. وتقديم المستحب على المباح هو عين العقل والشرع.
كما أنك -أخي الكريم- مسؤول عن زوجتك وأولادك، وإن حرمانهم من الجو الإيماني في رمضان بسبب كثرة الخروجات والعزومات، قد يكون تقصيرًا في حقهم التربوي.
«لا ضرر ولا ضرار»
إنها قاعدة شرعية، فإذا كان حضورك لهذه المجالس يسبب لك ندمًا رهيبًا -كما تقول- ويؤثر على نفسيتك وخشوعك، فقد أصبح الحضور في حقك مفسدة لقلبك، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح.
والنبي ﷺ يقول: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» [رواه الترمذي]. وكثير من الكلام في هذه المجالس قد يدخل في دائرة «ما لا يعني»، بل وقد يدخل في دائرة الحرام، فاعتزالك لها طلبًا لمرضاة الله هو رفعة لك لا إثم عليك فيها.
كيف تعتذر؟
أنصحك بالوضوح مع اللطف. وأقترح عليك الآتي:
1- الإعلان المبكر: لا تنتظر حتى تأتيك الدعوة وتفاجئهم بالرفض. ابدأ من الآن، وفي جلسة ودية، أو عبر مكالمة هاتفية، أو على «جروب العائلة»، قل بابتسامة: «يا أحبابي، لقد قررت هذا العام أنا وأسرتي أن نركز جدًّا في ختمة القرآن والقيام، وننوي التقليل جدًّا من العزومات حتى نستثمر كل دقيقة في رمضان. فسامحوني لو اعتذرت عن أغلب اللقاءات، وأدعوكم إلى أن تفعلوا مثلنا».
2- بدائل الصلة: اعتذر عن العزومة وعوضها بـِصِلَة سريعة. يمكنك -مثلًا- المرور عليهم بعد التراويح لمدة نصف ساعة فقط للسلام، أو إرسال طبق حلوى مع رسالة رقيقة: «تذكرناكم ونحن نفطر، تقبل الله منا ومنكم». بهذا تكون قد وصلت الرحم ولم تضيِّع الليلة.
3- تعلَّل بالأولاد: الناس غالبًا ما يحترمون الأعذار المتعلقة بتربية الأبناء. قل: «الأولاد عندهم جدول حفظ ومراجعة في رمضان، وأنا حريص أن أكون معهم لأشجعهم».
4- تغيير نمط العزومة (إذا حضرت): إذا اضطررت للحضور، فكن أنت المبادر بتوجيه مسار الجلسة. اقترح قبل الإفطار قراءة صفحة من القرآن معًا، أو خاطرة إيمانية لمدة 5 دقائق، ونزول الرجال لصلاة المغرب والعشاء والتراويح في المسجد، فإن تكاسلوا فانزل أنت وأولادك. هذا سيجعل الوقت مباركًا ويقلل من لغو الكلام إلى حد بعيد.
ختامًا أخي الكريم، تذكر دائمًا أن إرضاء الناس غاية لا تُدرك، وإرضاء الله غاية لا تُترك. الناس سيعتادون على نظامك الجديد إذا رأوا منك إصرارًا بلطف، بل ربما تكون قدوة لغيرك ممن يشتكون من المشكلة ذاتها، ولكنهم يفتقدون الشجاعة لاتخاذ القرار.
اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلب أخينا السائل على طاعتك، وبارك له في وقته وأهله وذريته. اللهم اجعل رمضان هذا العام خيرًا عليه مما سبقه، وارزقه فيه حلاوة المناجاة، ولذة الطاعة، وسكينة الدار. اللهم وفقنا للموازنة بين حقوق عبادك وحقك علينا، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
روابط ذات صلة: