تحديات دعوة كبار السن الذين اعتادوا على نمط معين من الحياة

Consultation Image

الإستشارة 09/11/2025

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا طالب دراسات عليا، وأعمل في الدعوة الفردية في محيط الحي الذي أسكن فيه. أجد صعوبة خاصة في دعوة فئة كبار السن، وخاصة الذين لديهم عادات متأصلة قد تكون بعيدة عن السُّنة أو تحتوي على بعض المخالفات الشرعية البسيطة (كبعض البدع العادية أو الإهمال في بعض السنن المؤكدة أو بعض المظاهر الاجتماعية).

هؤلاء الكبار غالبًا ما يكونون حساسيّن جدًّا للنقد، ولديهم قناعة بأنهم "عاشوا حياتهم على هذا النحو"، وأن تغيير عاداتهم صعب أو غير ضروري. كيف يمكن لي أن أتوجه إليهم بأسلوب يكسب ودهم وثقتهم، ويشجعهم على الإحسان والتغيير للأفضل في نهاية حياتهم، دون أن أشعرهم بالتنقيص أو التجهيل؟ وما هي الموضوعات الدعوية التي تناسب هذه الفئة العمرية على وجه الخصوص؟ جزاكم الله خيرًا.

الإجابة 09/11/2025

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً بك أيها الطالب المبارك، وبوركت جهودكم في رعاية هذا الجيل من المسلمين الذين هم أحوج ما يكونون إلى التذكير والتبشير قبل لقاء ربهم. إن احترام الكبير وتقديره هو من صميم أخلاقنا، وتوجيهه بالحكمة والرحمة هو من كمال دعوتنا. سدد الله خطاك في هذه المهمة النبيلة.

 

أيها الطالب الباحث المبارك، إن التعامل مع فئة كبار السن يتطلب منهجًا دعويًّا يقوم على التوقير (الاحترام) والترغيب (التبشير)، بعيدًا عن أسلوب الأمر والنهي المباشر، وهذا منهج دعوة كبار السن: التوقير والتبشير، وينطلق هذا المنهج من أن الداعية لا يخاطب عقلاً مجرداً، بل تجربة حياة طويلة وراسخة.

 

بناء جسر الثقة (المقدمات الدعوية)

 

قبل أي كلمة دعوية، يجب كسب قلب وود المدعو الكبير:

 

1) البر والإحسان: يجب معاملتهم كما نعامل آباءنا وأجدادنا. ابدأ بالخدمة والتوقير والاحتفاء بهم والثناء على ما لديهم من خير، قال رسول الله: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا" (رواه الترمذي). التوقير هو مفتاح فتح القلوب.

 

2) استخدام الذاكرة الإيجابية: ذكّرهم بتاريخهم المشرف وإنجازاتهم وصلاتهم السابقة بالدين، وأكّد على أنهم أسلافنا وعليهم يتم الاعتماد. ثم اربط هذا الماضي بالمستقبل (حسن الخاتمة).

 

الأولويات الدعوية والموضوعات المناسبة

 

بما أن الوقت ضيق والعادات راسخة، يجب التركيز على جوامع الخير التي يسهل عليهم تطبيقها وتترك أثرًا عظيمًا.

 

1) التركيز على حسن الخاتمة والتوبة: هذا هو الموضوع الأهم. ذكّرهم بأن فرصة العمل الصالح ما زالت سانحة، وبأن التوبة مقبولة ما لم يغرغر العبد، وركّز على سعة رحمة الله ومغفرته. قال تعالى في الحديث القدسي: "يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي" (رواه الترمذي).

 

2) الأعمال ذات الأجر الكبير والجهد القليل، مثل الأذكار والدعاء: تشجيعهم على الإكثار من الذكر والاستغفار والدعاء، فهي عبادات لا تتطلب جهدًا بدنيًّا كبيرًا وتزيد من رصيد حسناتهم. (مثال: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، والصدقات الجارية: حثهم على الوصية أو الصدقة بما يقدرون عليه، لضمان استمرار الأجر بعد الموت.

 

3) تصحيح الأخطاء بالتلميح لا التصريح: عند رؤية بدعة أو خطأ بسيط (كبعض طرق الأذكار المخالفة للسنة)، لا تنتقد مباشرة. بل ابدأ بـ: "يا عم، ألا أدلك على شيء يسير وعظيم الأجر علّمنا إياه النبي ﷺ؟" ثم علّمه السنة برفق.

 

4) تجنب الخوض في مسائل الخلاف الفقهي المعقدة التي قد تشتت ذهنهم.

 

منهج الرفق والرحمة في النصح

 

إن طريقة تقديم النصح أهم من النصح ذاته مع هذه الفئة.

 

1) التحمل وعدم اليأس: قد تجد منهم مقاومة أو تصلبًا. لا تيأس ولا تنقطع عنهم، بل استمر في الزيارات والتلطف مع الدعاء لهم.

 

2) استخدام القصص والقدوات: كبار السن يتأثرون كثيرًا بالقصص. اروِ لهم قصصًا من السلف عن حسن الخاتمة وعن الصحابة الذين تابوا في كبر سنهم، أو عن فضل الذاكرين.

 

3) الاستعانة بأهلهم: اطلب من أبنائهم أو أحفادهم (إن كانوا صالحين) أن يساعدوك في تذكيرهم وتوفير بيئة مساعدة لهم (كأخذهم إلى المسجد أو تذكيرهم بالصلاة).

 

وختامًا:

أيها الداعية الودود صاحب الهَمّ والهِمَة: تذكر أنك تتعامل مع أعمار غالية جدًّا. كن لينًا رحيمًا كما أمر الله موسى وهارون عليهما السلام، قال تعالى: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) واجعل نصيحتك في سرّ، واجعل التذكير مقرونًا بالثناء على حسناتهم. واعلم أن إدخال السرور على قلب شيخ كبير هو بحد ذاته عبادة، وأسأل الله أن يرزقك الحكمة والصبر والرحمة في دعوتك، وأن يبارك في أعمار من تدعوهم، وأن يختم لنا ولهم بصالح الأعمال، وأن يجعلهم ممن يطول عمره ويحسن عمله.

 

روابط ذات صلة:

كيف نتعامل مع تنافس الكبار على الإمامة رغم ضعف قراءتهم؟

الرابط المختصر :