الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
767 - رقم الاستشارة : 3620
20/12/2025
ما حكم استثمار أموال الزكاة وخاصة لدى الجمعيات العاملة عليها؟ وقد يفيض المال لدى هذه الجمعيات عن حاجة الفقراء الآنية.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فقد اختلف الفقهاء المعاصرون حول مسألة استثمار أموال الزكاة، فمنعه بعضهم وأجازه البعض الآخر، ولكل أدلته التي لها وجاهتها، وما نرجحه للفتوى الجواز بالضوابط والشروط التي من أهمها أن يكون المال فائضًا عن حاجة الفقير، وأن يكون الاستثمار لمصلحة الفقراء، وأن يكون الاستثمار مدروسًا آمنًا، وألا يكون الاستثمار طويل الأجل بحيث يمكن عند حاجة الفقير إنهاء الاستثمار وتسييل الأصول وإنفاقها فورًا على مصارف الزكاة.
المقصود بمسألة استثمار أموال الزكاة
نقصد بمسألة استثمار أموال الزكاة استثمارها لدى الهيئات والمؤسسات التي تقوم على جمعها وتوزيعها، وكذلك الحكومات التي تقوم على ذلك، ومن المتوقع أن يفيض المال عن حاجة الفقراء الملحة، ويُراد بمسألة الاستثمار تعظيم المال وتنميته لحاجة الفقراء، ولا نقصد بالاستثمار هنا استثمارها لدى المزكي قبل أن يملِّكها للفقير أو يدفعها للجهة التي تقوم على جمعها؛ لأن هذا يتعارض مع قول وجوب الزكاة على الفور، ولا يجوز تأخيرها إلا عند الضرورة، كما لا نقصد أيضًا استثمارها من قبل الفقير بعد تملكها، فهذا مما لا يكاد يختلف عليه أحد.
قضية استثمار أموال الزكاة من القضايا المهمة في فقه الزكاة المعاصر؛ إذ إنها تثير اهتمام كثير من المؤسسات الزكوية والهيئات الخيرية في العالم الإسلامي، وهي من المسائل الملحة التي تحتاج إلى إجابة شافية.
لقد بدأت هذه القضية بعد تنوع أساليب العمل والإنتاج، وظهور المشاريع الاستثمارية الضخمة التي تدر أرباحًا وفيرة على مالكيها؛ فثار التساؤل التالي: هل يجوز توجيه بعض أموال الزكاة إلى إنشاء المشاريع الاستثمارية لتأمين مورد مالي ثابت ودائم للمستحقين الذين تتزايد حاجاتهم؟
اختلاف الفقهاء حول هذه المسألة
اختلف العلماء المعاصرون في حكم استثمار الإمام لأموال الزكاة على قولين:
القول الأول: يرى بعض العلماء عدم جواز استثمار أموال الزكاة من قبل الإمام أو من ينوب عنه، وممن ذهب إلى ذلك الدكتور وهبه الزحيلي، والدكتور عبد الله علوان، والدكتور محمد عطا السيد، والشيخ محمد تقي العثماني.
القول الثاني: يرى كثير من العلماء المعاصرين جواز استثمار أموال الزكاة في مشاريع استثمارية، سواء فاضت الزكاة أو لا؛ وممن ذهب إلى هذا القول الأستاذ مصطفى الزرقا، والدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة، والدكتور عبد العزيز الخياط، والدكتور عبد السلام العبادي، والدكتور محمد صالح الفرفور، والدكتور حسن عبد الله الأمين، والدكتور محمد فاروق النبهان.
أدلة القائلين بعدم جواز الاستثمار
استدل القائلون بعدم جواز استثمار أموال الزكاة بما يلي:
أ- استثمار أموال الزكاة في مشاريع صناعية أو زراعية أو تجارية يؤدي إلى تأخير توصيل الزكاة إلى المستحقين؛ إذ إن إنفاقها في تلك المشاريع يؤدي إلى انتظار الأرباح المترتبة عليها، وهذا مخالف لما عليه جمهور العلماء من أن الزكاة تجب على الفور.
ب- إن استثمار أموال الزكاة يعرضها إلى الخسارة والضياع؛ لأن التجارة إما ربح وإما خسارة.
ج- إن استثمار أموال الزكاة يعرضها إلى إنفاق أكثرها في الأعمال الإدارية.
د- إن استثمار أموال الزكاة يؤدي إلى عدم تملك الأفراد لها تمليكًا فرديًّا، وهذا مخالف لما عليه جمهور الفقهاء من اشتراط التمليك في أداء الزكاة؛ لأن الله تعالى أضاف الصدقات إلى المستحقين.
هـ- لأن يد الإمام أو من ينوب عنه على الزكاة يد أمانة لا يد تصرُّف واستثمار.
أدلة القائلين بجواز الاستثمار
استدل القائلون بجواز استثمار أموال الزكاة بما يلي:
(أ) أن النبيﷺ والخلفاء الراشدين كانوا يستثمرون أموال الصدقات من إبل وبقر وغنم، فقد كان لتلك الحيوانات أماكن خاصة للحفظ والرعي والدر والنسل، كما كان لها رعاة يرعونها ويشرفون عليها.
(ب) الاستئناس بقول من توسع في مصرف: (في سبيل الله) وجعله شاملًا لكل وجوه الخير: من بناء الحصون وعمارة المساجد، وبناء المصانع، وغير ذلك.
(ج) الاستئناس بقول من أجاز للإمام ـ إذا اقتضت الضرورة أو الحاجة ـ إنشاء المصانع الحربية من سهم (في سبيل الله)، وأن يجعل هذه المصانع كالوقوف على مصالح المسلمين.
(د) الاستئناس بالأحاديث التي تحض على العمل والإنتاج واستثمار ما عند الإنسان من مال وجهد.
(هـ) القياس على استثمار المستحقين للزكاة بعد قبضها ودفعها إليهم بقصد الاستثمار.
(و) القياس على جواز استثمار أموال الأيتام من قبل الأوصياء.
(ز) العمل بالاستحسان في هذه المسألة خلافًا للقياس، فهذه المسألة وإن كان الأصل فيها عدم الجواز فإن الحاجة إليها في هذا العصر ماسة نتيجة لاختلاف البلاد والعباد واختلاف الدول وأنظمة العيش، وأنماط الحياة.
وبعد مناقشة أدلة المجيزين والمانع يخلص الدكتور شبير إلى ما يلي:
إذا قلنا بجواز استثمار أموال الزكاة من قبل الإمام أو من ينوب عنه فلا بد من مراعاة الضوابط التالية:
أ- ألا توجد وجوه صرف عاجلة لتلك الأموال: كسد الحاجات الضرورية للمستحقين من الحاجة إلى الطعام أو الكساء أو السكن، فإن وجدت تلك الحاجات العاجلة، فلا يجوز تأخير صرف الزكاة فيها بحجة الاستثمار، وإذا كانت أموال الزكاة على شكل أصول ثابتة: كالمصانع والعقارات فيجب بيعها وصرف أثمانها في تلك الوجوه.
ب- أن يتحقق من استثمار أموال الزكاة مصلحة حقيقية راجحة للمستحقين: كتأمين مورد دائم يحقق الحياة الكريمة لهم.
ج- أن تكون مجالات الاستثمار مشروعة: كالتجارة والصناعة والزراعة، ولذا فلا يجوز استثمار أموال الزكاة في مجال من المجالات المحرمة: كالربا والاتجار بالمحرمات وغير ذلك.
د- أن تتخذ كافة الإجراءات التي تضمن بقاء تلك الأموال على أصل حكم الزكاة، بحيث لا يصرف ريعها إلا للمستحقين ولو احتيج إلى بيع الأصول الثابتة في المستقبل ترد أثمانها إلى مصارف الزكاة.
هـ- أن يسبق قرار الاستثمار دراسات دقيقة من أهل الخبرة تتعلق بالجدوى الاقتصادية للمشروع الاستثماري.
و- أن يُسند أمر الإشراف والإدارة إلى ذوي الكفاءة والخبرة والأمانة.
ز- أن يعتمد قرار الاستثمار ممن له ولاية عامة كالإمام أو القاضي، أو أهل الحل والعقد.
وقد ناقش مجمع الفقه الإسلامي الدولي هذه المسألة في دورته الثالثة وخلص إلى هذا القرار:
بشأن: توظيف الزكاة في مشاريع ذات ريع بلا تمليك فردي للمستحق
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407هـ، الموافق 11 – 16 تشرين الأول (أكتوبر) 1986م،
بعد اطلاعه على البحوث المقدمة في موضوع توظيف الزكاة في مشاريع ذات ريع بلا تمليك فردي للمستحق، وبعد استماعه لآراء الأعضاء والخبراء فيه، قرر ما يلي:
يجوز من حيث المبدأ توظيف أموال الزكاة في مشاريع استثمارية تنتهي بتمليك أصحاب الاستحقاق للزكاة، أو تكون تابعة للجهة الشرعية المسؤولة عن جمع الزكاة وتوزيعها، على أن يكون بعد تلبية الحاجة الماسة الفورية للمستحقين وتوافر الضمانات الكافية للبعد عن الخسائر.
ينظر: حكم استثمار أموال الزكاة، للدكتور: محمد عثمان شبير، وينظر مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدورة الثالثة المجلد الأول .
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة:
الزكاة تأمين اجتماعي ضد كوارث الحياة
منهاج التعامل مع الغارمين والمدينين في الإسلام
دور الزكاة في تحقيق الكفاية المادية للفرد والمجتمع