الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
140 - رقم الاستشارة : 5360
21/07/2026
استأجرت عيادة ومعدات بنظام "الإجارة المنتهية بالتمليك" لمدة خمس سنوات، والعقد ينص على أنه في حال عجزي عن سداد أي قسط، حتى لو في السنة الأخيرة، يُفسخ العقد، وتأخذ الشركة معداتها، ولا تُعيد لي أي مبلغ مما دفعته طوال السنوات الماضية؛ فهل هذا الشرط والإجراء صحيح شرعاً؟
الحمد لله، وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، أدرك تمامًا حجم
القلق والضغط النفسي الذي قد يسببه هذا الشرط المجحف، خاصة بعد استثمار خمس سنوات
من الجهد والمال لبناء عيادتك واستقرار عملك؛ فالأصل في العقود والاستثمارات في
الشريعة الإسلامية أنها قامت لإقامة العدل ورفع الظلم عن المتعاقدين.
ولا يجوز شرعًا أن تتخذ المؤسسات أو الشركات صياغة
"الإجارة المنتهية بالتمليك" وسيلةً لابتزاز الطرف الضعيف أو سلب جهده
وأمواله بغير حق عندما يطرأ عليه عجز عن السداد.
اختصارًا: هذا
الشرط باطل ومحرم شرعًا، ولا يحق للشركة مصادرة كامل المبالغ التي دفعتها طوال
السنوات الماضية واسترداد المعدات والعيادة معًا.
فالأقساط التي سددتها طوال فترة العقد لم تكن مجرد أجرة
شهرية صافية مقابل الانتفاع، بل كانت أقساطًا مركبة تتكون من جزأين، أجرة المنفعة
مع دفعات مسبقة من ثمن الأصول لتتملكها في نهاية العقد.
وفي حال العجز عن السداد وفسخ العقد، يجب إجراء تقويم
مالي عادل فتُحسب أجرة المثل - وهي أجرة السوق العادلة للمعدات والعيادة عن الفترة
الفعلية التي استغللتها - من إجمالي المبالغ التي سددتها بالفعل طوال السنوات
الماضية، فإن كان لك فضل مال وهو الأغلب لأن أقساط التمليك أعلى بكثير من الأجرة
المجردة، وجب على الشركة رد الفائض إليك فورًا. أما إن كان عليك فارق بأن كانت
أجرة المثل أعلى مما دفعته، جاز للشركة مطالبتك بالفارق فقط.
وتفصيلاً:
موقف الفقهاء من الشروط المجحفة وأكل أموال الناس
بالباطل
اتفق الفقهاء على أن الشروط التي تؤدي إلى تجريد أحد
المتعاقدين من حقوقه المالية أو تجمع بين عوضين بطريقة الظلم هي شروط فاسدة لا
قيمة لها شرعًا.
الإمام ابن تيمية رحمه الله - مجموع الفتاوى 29/335:
"الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله
الشارع أو نهى عنه... وكل شرط تضمن أكل أموال الناس بالباطل أو الإضرار بأحد
المتعاقدين ضياعًا لحقه فهو شرط باطل لا يعتد به، ولا يلزم الوفاء به وإن وقع عليه
المتعاقدان".
الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله - المغني 4/176:
بيّن أن العقد إذا اشتمل على شرط يسلب أحد الطرفين ماله
بغير مقابل، أو يجمع له بين البدل والمبدل منه عند الفسخ، فهو شرط فاسد يبطل الشرط
ويوجب رد الحقوق إلى نصابها الشرعي والعرفي.
القرارات والاعتمادات الصادرة عن المجامع الفقهية
المعاصرة
حسمت المجامع الفقهية المعاصرة الشبهة في عقود
"الإجارة المنتهية بالتمليك" ومصادرة المبالغ السابقة كما ورد في قرار
مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي: أصدر المجمع القرار
رقم 110 4/12 بشأن "الإجارة المنتهية بالتمليك"، وجاء في بند حسم النزاع
عند الفسخ:
"إذا فسخ العقد لعدم وفاء المستأجر بالأقساط، أو
لأي سبب آخر، فلا يجوز للمؤجر أن يحتفظ بالأقساط المشتملة على ثمن العين
المستأجرة، بل يجب أن يُعاد للعميل ما زاد من الأقساط على أجرة المثل عن الفترة
التي انتفع بها بالعين".
المعايير الشرعية للهيئة العالمية للمحاسبة والمراجعة
للمؤسسات المالية الإسلامية AAOIFI:
جاء في المعيار الشرعي رقم 9 بشأن الإجارة والإجارة
المنتقلة إلى الملك البند 5/1/8:
"في حال فسخ عقد الإجارة المنتهية بالتمليك لعدم
قدرة المستأجر على السداد، فإن المؤجر يستحق أجرة المثل للفترة الماضية فقط، ولا
يحق له مصادرة المبالغ الزائدة التي تمثل جزءًا من الثمن الموعود به، ويجب رد
الفارق للمستأجر".
دار الإفتاء المصرية وهيئات الفتوى المعاصرة:
أفتت بأن تحويل عقد الإجارة المنتهية بالتمليك عند
التعثر إلى عقد "إجارة تشغيلية" تلتهم كل المقبوضات السابقة هو نوع من
الغش والتدليس وشوب الربا؛ لأن العميل لم يستأجر العين بالأقساط العالية إلا بضمان
صيرورة ملكيتها إليه، فإذا زال شرط التمليك وجب التراجع إلى السعر العادل لإجارة
السوق ورد الزيادة للعميل.
القواعد الفقهية الحاكمة
قاعدة: «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ
والمباني»
العقد وإن أُطلق عليه اسم "إجارة"، إلا أن
حقيقته المالية المقبوضة اشتملت على جزء من ثمن الأصول لتملكها؛ فلا يجوز معاملته
كإجارة مجردة عند التعثر لسلب الحقوق المالية للعميل.
قاعدة: «لا ضرر ولا ضرار» و«الضرر يزال»
إلحاق الضرر المالي بانتزاع المعدات والأموال المسددة
طوال السنوات الماضية ضرر ظاهر ومحرم شرعًا، وتجب إزالته بإلغاء الشرط الباطل وعمل
مقاصة عادلة بأجرة المثل.
قاعدة: «الشرط الفاسد لا يُوجِب الوفاء»
توقيعك على العقد المشتمل على هذا الشرط الظالم لا يسبغ
عليه الشرعية ولا يلزمك الوفاء به؛ لقول النبي ﷺ: "كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي
كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ" متفق عليه.
قاعدة: «الغنْم بالغُرْم» و«الخراج بالضمان»
لا يحق للشركة حصد أرباح التمليك وأجرتها ثم تحميلك كامل
تبعات التعثر وسلبك ما دفعته، بل يجب توزيع التكاليف والمنافع وفق العدل الشرعي. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
تحصيل الشرط الجزائي.. العدالة ميزان الشريعة