الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : فكر معاصر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
284 - رقم الاستشارة : 4080
10/02/2026
أظهرت وثائق إبستين المفرج عنها جانبًا فكريًّا يتعلق بمكانة المرأة في الفلسفة المادية تلك الفلسفة التي حولتها إلى جسد وسلعة.. فهل يمكن توضيح هذه الفكرة؟
أخي الكريم، أظهرت وثائق "جيفري إبستين" ذلك الملياردير اليهودي، الكثير من الخفايا عن طبيعة الأخلاق في المجتمع الغربي، والفلسفات والمرجعيات التي تهيمن على العقل الغربي، وطبيعة النخب المتحكمة في القرار وبخاصة تلك النخب السياسية والاقتصادية.
ولا شك أن الوثائق لا تكشف فقط عن انحرافات جنسية لأفراد من الطبقة الأولى في النخبة الأمريكية والعالمية، ولكنها تكشف عن أشياء عدة، منها: كيفية ممارسات السلطة والمال عندما يتحرران من الضمير والأخلاق والمساءلة، وحقيقة الانحرافات الاستغلالية الجنسية أنها تعبير عن انحراف نفسي وفكري أعمق حول مفهوم الإنسان وبخاصة المرأة؛ فالتسريبات تؤكد أن المرأة كان يُنظر إليها كسلعة وجسد، فهي تباع وتشترى ليس لها صفة الكرامة الإنسانية، أما كونها جسدًا فلا وظيفة لها إلا المتعة والاستغلال.
ومن ثم فمن "الخطأ التعامل مع قضية إبستين من خلال اختزالها في شخص واحد، هـو إبستين، باعتباره رجلاً منحرفًا، استغل فتيات، ونجا فترة طويلة قبل أن يسقط"؛ لأن هذا التفسير البسيط هو اختزالي ومضلل وغير مكتمل ولا يرسم صورة لما ارتكبه هذا اليهودي المنحرف.
دعونا نقترب من الفلسفة المادية التي يمثلها "إبستين" ورجال النخبة الذين كان يوفر لهم المتعة الحرام في جزيرته، فهؤلاء هم رموز المادية والعلمانية والرأسمالية والنيوليبرالية، وهؤلاء يرسمون بجلاء كيفية تعاطي المادية وأفكارها المجافية للأخلاق والدين، مع الإنسان، والذي لا ترى فيه إلا بُعدًا واحدًا هو المادي.
المرأة والماديـــــــــة
يشير بعض علماء الاجتماع إلى أن هناك عاملين يحددان خصائص أي مجتمع، هما النظام الاقتصادي، ونظام الأسرة، ومن هنا فالرأسمالية الجشعة، وتفكك النظام الأسري، يجعلان المرأة عرضة للاستغلال البشع لجسدها بصورة غير أخلاقية.
والحقيقة أن جذور المادية الغربية الحديثة، تعود إلى الفلسفة اليونانية والإغريقية القديمة، فبعض تجليات الفكر الغربي الحديث لها امتدادها الإغريقي واليوناني القديم؛ ففي كتاب الدكتور "إمام عبد الفتاح إمام" بعنوان "أفلاطون والمرأة" ذكر أن في عصر البطولة اليوناني وذلك قبل ألف عام من الميلاد كان هناك تمجيد للقوة والبطولة، وفي ظل هذا التمجيد كانت المرأة تلقى معاملة سيئة، فلم تكن لها حقوق، وتخضع تمامًا للرجل، وهو ما تجلى في الأساطير اليونانية التي نظرت للمرأة على أنها من طبيعة أدنى.
وقد تأثر وضع المرأة بنظام الملكية الموجود في المجتمع؛ ففي مجتمع "إسبرطة" العسكري كانت المرأة ذات خشونة وعنف وقسوة وفظاظة مع الجميع بما فيه الابن والزوجة، ولم يبق لها من الأنوثة إلا الإنجاب، ومن ثم وصفت بأنه "رجل ينجب".
أما الفكر الرأسمالي الحديث فقد نظر إلى جسد المرأة باعتباره أداة وسلعة منتجة وقابلة للاستهلاك، وأن هذا الجسد مجال للأرباح الكبيرة، سواء من خلال ترويج السلع ومستحضرات التجميل أو حتى الدعارة.
اختلاف حول طبيعة الاستغلال
هناك تباين في المواقف الفكرية الغربية من الاستغلال الجنسي للمرأة، فحسب دراسة هناك فرق -في الرؤية الغربية- بين الاستغلال الجنسي للمرأة، وبين أن تعمل المرأة في الجنس.
فالاتجاه الأول يطالب بإلغاء الدعارة، سواء أكانت طوعيًّا أم قسريًّا باعتبارها شكلاً من أشكال اضطهاد المرأة.
أما الاتجاه الثاني فيرى أن المرأة لها الحق في التمتع بحريتها الجنسية حتى ولو امتهنت الجنس.
ويلاحظ أن دعاة إلغاء الدعارة، وغالبيتهم من ذوي الاتجاهات الماركسية واليسارية، يرون أن الجنس هو أحد مخلفات النظام الأبوي وأنه يخلق امتيازات للرجل على المرأة، وأن تجارة الجنس هي نوع من ممارسة العنف ضد المرأة، إذ تخضع للاستغلال وهو ما يحقق أرباحًا للطبقة الرأسمالية.
أما الاتجاه الآخر المؤيد للجنس بما في ذلك الجنس نظير مقابل مادي، فيرى أصحابه أن للمرأة الحق في اتخاذ قرارها في هذا الموضوع.
لكن الواقع يؤكد أن الفقيرات والصغيرات كن ضحايا الاستغلال الجنسي، إذ تُستغل معاناتهن للإيقاع بهن في هوة الجنس، وهو ما كان يقوم به "جيفري إبستين" من استغلال للقاصرات والصغيرات اللاتي كانت غالبيتهن ذات معاناة، وأن المستغلين كانوا من طبقة الأثرياء والمتنفذين وذوي السلطة.
رأى بعض الباحثين أن العنف الجنسي ضد المرأة يحدث نتيجة لحالة الرفاه الاقتصادية، حيث تعتمد النساء في دخلها على طالبي المتعة، وهو ما يحول هيكل العلاقة داخل المجتمع لتكون علاقة استغلالية قائمة على عدم المساواة والإخضاع والاستنزاف، وهنا تصبح تلك النساء بين خيارين؛ إما أن يُهدد بقاؤها في الحياة، وإما أن تستنزف في الأعمال الجنسية، ولا شك أن الوضع السياسي والاقتصادي هو ما يشجع في هذا المأزق للنساء.
أخي الكريم، الفكر المادي الرأسمالي الذي يمثله نموذج "جيفري إبستين" هو نموذج استغلال واستنزاف للمرأة وإهدار لإنسانيتها وقيمتها، بجانب أنه نموذج يعادي الإنسان والدين معًا.
روابط ذات صلة:
فضائح إبستين هل لها علاقة بالفلسفة العدمية؟