الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : وساوس وشكوك
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
749 - رقم الاستشارة : 2822
29/09/2025
أنا شاب كنت في فترة سابقة من حياتي أعيش في غفلة عن الله، وارتكبت بعض الذنوب والمعاصي التي ندمت عليها أشد الندم. منَّ الله عليَّ بالهداية وتبتُ إليه توبةً نصوحًا، واجتهدت في التقرب إليه، فأنا الآن أحافظ على صلاتي وأسعى للمحافظة على الأذكار وقراءة القرآن وعمل الصالحات.
المشكلة التي أواجهها هي أني كلما خلوت بنفسي، أو حتى أثناء قيامي ببعض الطاعات، تعود تلك الذكريات والذنوب القديمة لتطاردني. أرى صورًا من الماضي وأشعر بوخز شديد في قلبي وبأنني لا أستحق رحمة الله ومغفرته. هذا الشعور يثقل عليَّ، وأحيانًا يضعف همَّتي، ويزرع في نفسي شكًا بأن توبتي قد لا تكون مقبولة.
أعلم أن الله غفور رحيم، لكن هذا الإحساس بتأنيب الضمير لا يفارقني. هل هذا من وسوسة الشيطان ليصرفني عن لذة الطاعة؟ وكيف أتعامل مع هذه الذكريات المؤلمة؟ وكيف أغلق صفحة الماضي بالكامل وأعيش حلاوة الحاضر مع الله؟
وجزاكم الله خيرًا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أيها السائل الكريم، وأسأل الله أن يثبتك على طريق الحق والهدى، وأن يجزيك خيرًا على ما تبذله من جهد في طاعته -سبحانه- والتقرب إليه.
أخي الفاضل، إن شعورك بالندم وتأنيب الضمير على ما فات هو دليل صدق توبتك، وحياة قلبك. فلو أن قلبك كان ميتًا لما شعر بهذا الوخز، ولما بحثت عن علاج لهذه الوسوسة.
وإن رحلة التوبة ليست مجرد قرار بالابتعاد عن الذنب؛ بل هي رحلة طويلة تتخللها لحظات من الضعف والقوة، والشك واليقين.
الوسوسة مدخل لليأس
أخي الحبيب، إن الشيطان لا يريد لك أن تشعر بلذة التوبة وحلاوة القرب من الله، لذلك يلاحقك بوساوس الماضي ليضعف همتك ويزرع في قلبك اليأس من رحمة الله الواسعة. فهذا الشعور الذي تصفه هو من كيده -لعنه الله- ليصدك عن الاستمرار في طريق الهداية. فبعد أن عجز عن إغوائك بالذنوب، جاءك من باب آخر وهو باب اليأس والقنوط. إنه يذكِّرك بذنوب الماضي ليسحبك إلى دوامة الحزن التي قد تقودك إلى ترك الطاعة؛ ظنًّا منك أن توبتك غير مقبولة.
فلتتذكَّر يا أخي قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا. ذهب يسأل عن أعلم أهل الأرض، فدلُّوه على راهب، فقال له: «هل لي من توبة؟» فقال له جاهلًا: «لا»، فقتله وأتم به المائة. ثم ذهب إلى عالِم، فسأله: «هل لي من توبة؟» فقال له: «وما الذي يحول بينك وبين التوبة؟» ثم ختم الله له بالخير، فابتدرته ملائكة الرحمة للجنة بعد موته وهو في طريق الصلاح [متفق عليه].
إن هذا العالِم الذي بشَّره، أدرك أن رحمة الله أوسع من أي ذنب، وأن باب التوبة مفتوح لكل من طرقَه بصدق. وإن الله يفرح بتوبة عبده المؤمن. قال رسول الله ﷺ: «لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبَت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ فإذا راحلته عنده، عليها طعامه وشرابه، فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده» [متفق عليه].
كيف تغلق صفحة الماضي؟
لتتمكن من إغلاق صفحة الماضي كاملة، عليك أن تفهم أن الماضي لا يملكه أحد سوى الله، وأن مستقبلك بين يديك. وإليك بعض الخطوات العملية التي تساعدك على ذلك:
1. اليقين بأن الله قد غفر لك: إن أول خطوة للتخلص من وسوسة الماضي هي أن تثق تمام الثقة بأن الله قد غفر لك، ما دمت قد تبت توبة نصوحًا. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. وهذا وعد من الله لا يُخلف.
2. الإكثار من الأعمال الصالحة: كلما طاردتك صورة من الماضي، استبدل بها فورًا فعلًا صالحًا. قم إلى الصلاة، أو اقرأ القرآن، أو سبِّح واذكر الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. فالطاعة تمحو أثر المعصية من القلب، وتجعل لك ذكرى جديدة إيجابية تحل محل الذكرى القديمة السلبية.
3. تغيير البيئة المحيطة: احرص على أن تكون محاطًا بأشخاص صالحين يذكِّرونك بالله ويعينونك على الطاعة. ومصاحبة الصالحين تقوي إيمانك وتبعد عنك وحشة الماضي. يقول الله عز وجل: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]. وقال ﷺ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَليلِه؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخالِلْ» [رواه أبو داود].
4. شغل الفراغ: الفراغ هو أرض خصبة لوساوس الشيطان. فاشغل وقتك بالنافع والمفيد؛ سواء كان ذلك في طلب العلم، أو العمل، أو ممارسة الرياضة، أو أي نشاط آخر يملأ حياتك بالإيجابية.
5. الدعاء والتضرع: أكثر من الدعاء بأن يثبِّت الله قلبك ويصرف عنك كيد الشيطان. فالدعاء هو سلاح المؤمن، فكن دائم الصلة بالله، واسأله بصدق أن يغلق صفحة الماضي في قلبك.
وختامًا أخي الحبيب، إن لذة التوبة ليست في نسيان الماضي؛ بل في تجاوز آلامه والشعور بحلاوة القرب من الله بعد المعصية. قد لا تنسى ماضيك، ولكنك ستتجاوز أثره وتنظر إليه كعبرة، لا كقيد يمنعك من الانطلاق نحو مستقبل أفضل.
فيا أخي الكريم، لا تدع هذه الوساوس تُضعف همتك. إنك في طريق عظيم، طريق القرب من الله، فواصل السير بقلب يملؤه اليقين برحمة الله ومغفرته. وتذكر أنك الآن أقرب إلى الله مما كنت عليه في الماضي، وهذه نعمة عظيمة تستحق أن تشكر الله عليها.
أسأل الله أن يثبت قلبك على دينه، وأن يشرح صدرك بنور الإيمان، وأن يعينك على طاعته وحسن عبادته، وأن يصرف عنك كيد الشيطان ووساوس الماضي، إنه -سبحانه- على ما يشاء قدير.
روابط ذات صلة:
لا أجد طعم التوبة.. أنت لم تتب