الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : وساوس وشكوك
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
230 - رقم الاستشارة : 3945
28/01/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أنا شاب 24 سنة، أعيش حالة من الانطفاء التام. قلبي يملؤه الشعور بالذنب والتقصير، لكن جسدي وعقلي لا يستجيبان لأي محاولة للإصلاح.
منذ عدة أشهر، بدأت أشعر بثقل غريب في الحركة، وفقدان تام للشغف تجاه كل شيء؛ حتى الأمور التي كانت تسعدني كعملي وهواياتي أصبحت عبئًا ثقيلًا.
هذا الشعور انسحب بالتبعية على علاقتي بالله؛ فأنا أفتقد اللذة في العبادة، بل وأجد صعوبة بالغة في القيام لأداء الصلوات الخمس. أؤجل الصلاة تلو الأخرى حتى ينتهي اليوم وأنا لم أصلِّ إلا ركعات معدودة بقلب لاهٍ، مما يزيد من حدة اكتئابي وشعوري بأنني مطرود من رحمة الله.
أقضي ساعات طويلة أمام الشاشات كنوع من الهروب، مما يزيدني خمولًا.
ونومي غير منتظم، وأستيقظ وأنا أشعر بتعب شديد وكأنني لم أنم.
لدي رغبة صادقة في التغيير والالتزام، لكن بمجرد أن أهمّ بالبدء، تهاجمني أفكار مثل: لا فائدة، أو أنت منافق!
أريد حلًا عمليًا يراعي حالتي النفسية، ولا يكتفي بكلمات الوعظ التقليدية.
كيف أستعيد عزيمتي؟ وكيف أبدأ بالصلاة والالتزام وأنا في قاع هذا الاكتئاب؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بك يا بني، وأشكرك شكرًا جزيلًا على ثقتك بنا وبوحك لنا بما يختلج في صدرك. وهذا البوح هو أولى خطوات التعافي؛ فالمريض الذي يصف ألمه بدقة قد قطع نصف الطريق نحو الشفاء. أسأل الله أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، وأن يضيء في قلبك ما انطفأ، ويجبر كسر روحك، ويعيد إليك شغفك وإقبالك على الحياة وعلى طاعة الله، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وبعد...
فما تمر به يا بني هو عارض نفسي وروحي يمر به كثيرون، وكذلك الأتقياء الصالحون يمرون بأوقات فتور وخمول.
وقبل أي شيء أطمئنك، هناك فائدة بالتأكيد، وأنت لست منافقًا، فالمنافق لا يحزن على تقصيره، ولا يتألم لغياب لذة العبادة، بل ألمك هذا هو أنين الإيمان في قلبك الذي يريد العودة.
فهم الانطفاء والفتور
ما تصفه من ثقل في الحركة، وفقدان الشغف، واضطراب النوم، هو توصيف دقيق لحالة الاكتئاب أو الاحتراق النفسي. فالإنسان عندما يُرهق نفسيًّا يبدأ في الانغلاق كنوع من الحماية، وهذا يفسر هروبك للشاشات.
فتعامل مع نفسك برفق ولا تقسُ عليها ولا تجلدها. يقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. وفي هذه المرحلة، وسعك قد يكون أقل مما كنت عليه سابقًا، وهذا مقبول مؤقتًا.
أما عن الشغف، فلا تنتظره، فهو لن يأتي إلا بعودتك للعمل أو لممارسة ما كنت تفعله. إن الشغف يأتي بعد الحركة وليس قبلها. ابدأ ولو لوقت قصير دون انتظار الرغبة، فستأتيك حالما تبدأ وستزيد.
إن الشاشات تزيد من هرمون «الدوبامين» السريع الذي يتبعه انخفاض حاد في المزاج. فحاول تقليلها تدريجيًّا، واستبدلها بالمشي ولو 10 دقائق فقط في هواء طلق؛ فالحركة الجسدية تحفز كيمياء السعادة في الدماغ.
القليل الدائم خير من الكثير المنقطع
شعورك بأنك مطرود هو من أعظم مداخل الشيطان ليقنطك من رحمة الله، فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53].
فعندما تكون في قاع الاكتئاب، ركِّز -على الأقل- على أداء الفرائض، ولتكن هي حدك الأدنى. صَلِّ الصلاة في وقتها، حتى لو افتقدت فيها الخشوع الكامل، فالخشوع ثمرة تخرج بعد الاستمرار والمداومة والإلحاح.
إذا ثقل لسانك، فليتحرك قلبك. قل: «يا رب» بصدق ورجاء وتذلل وانكسار. يقول النبي ﷺ في الحديث القدسي عن الله عز وجل: «أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» [رواه البخاري].
نبذ ومحاربة الوساوس:
فإن أفكارًا مثل: «أنا منافق»، و«لا فائدة»، التي تأتيك وأنت في هذه الحالة، هي وساوس قهرية، وإدراك مشوَّه للحقيقة. وقد روي أن رجلًا جاء إلى الصحابي حذيفة بن اليمان -وكان عليمًا بالمنافقين- فقال له: يا حذيفة، هل أنا من المنافقين؟، فرد عليه حذيفة: «أتصلِّي إذا خلوتَ، وتستغفر إذا أذنبتَ؟»، قال: نعم، قال: «اذهب فما جعلك الله منافقًا».
فعندما يقول لك عقلك: «أنت منافق»، قل له: «المنافق لا يبالي، وأنا أتألم، وسأصلي رغم هذا الشعور». إن القيام للصلاة وأنت «ثقيل» هو أعظم أنواع الجهاد وأصدق دليل على الإيمان.
خطوات عملية ليومك
لكي تخرج يا بني من هذا النفق، تحتاج إلى الآتي:
1- التوجه لله بالدعاء: فهذا أول معين لك، وهو طلب المعونة من الله، والافتقار إليه، ولو بقلبك دون لسانك مبدئيًّا. إن العبادة ليست مجرد حركات جسدية؛ بل هي توفيق من الله، وأول مفاتيح التوفيق هو الاستعانة به سبحانه. ففي كل ركعة وأنت تقرأ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ استشعر بقلبك الاستعانة به جل وعلا. [الفاتحة: 5].
فإذا ما استجاب لسانك لقلبك وبدأ يتحرك بالدعاء، فارفع يديك وقل: «يا رب، أنا ضعيف فقوني، أنا منطفئ فأرني نورك، أنا عاجز فخذ بيدي». واعلم يقينًا أن الله لا يرد قلبًا أتاه منكسرًا.
ومما أوصى به النبي ﷺ من الدعاء: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال» [رواه البخاري]. فداوم عليه صباح مساء.
2- تغيير نمط النوم: لا تذهب لفراشك ومعك هاتفك. اجعل الفراش للنوم فقط. استيقظ في وقت محدد يوميًّا مهما كنت متعبًا، لتنضبط ساعتك البيولوجية، ويهدأ جسدك.
3- كن دائم الوضوء: حاول أن تكون على وضوء أغلب الوقت، فلا تحدث إلا وتتوضأ، فالوضوء بحد ذاته يطرد الخمول والكسل النفسي، ويدفع الشياطين.
4- ابدأ بمهام صغيرة: بدلًا من التفكير بمنطق إصلاح حياتك كلها، فكِّر في ترتيب سريرك، أو تنظيم مكتبك، أو سماع محاضرة، أو قراءة صفحة، أو التسبيح، أو الاستغفار... إلخ. فهذه الانتصارات الصغيرة تخبر عقلك أنك لا تزال مسيطرًا.
5- الاستعانة بمختص: يا بني، الاكتئاب قد يكون بسبب خلل كيميائي في جسدك (نقص في السيروتونين)، فلا حرج أبدًا في زيارة طبيب نفسي مختص ليساعدك دوائيًّا أو سلوكيًا. فالاستشفاء هو من قدر الله ومن الأخذ بالأسباب التي أمرنا بها النبي ﷺ حين قال: «تداوَوا عبادَ اللَّهِ فإنَّ اللَّهَ سبحانَهُ لم يضع داءً إلَّا وضعَ معَهُ شفاءً إلَّا الْهرمَ» [رواه ابن ماجة]، والهرم هو كبر السن وأعراض الشيخوخة.
6- تغيير البيئة: ولو جزئيًّا، لتكسر روتين الاكتئاب. فإذا كنت تقضي أغلب وقتك في غرفتك أمام الشاشات، اخرج منها. اذهب إلى المسجد قبل الأذان بعشر دقائق، أو اجلس في حديقة عامة بعض الوقت.
إن الاكتئاب يشد للعزلة، لذا قاوم هذه الرغبة. ابحث عن صديق هيِّن ليِّن محب لك، لا يجلدك بالوعظ؛ بل يأخذ بيدك برفق. يقول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28]. وتذكر قصة قاتل المائة نفس، عندما أراد التوبة، لم يكتفِ العالم بقول: «تب إلى الله»، بل قال له شرطًا جوهريًّا: «ارحل إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء» [رواه مسلم]. إن بيئتك القديمة (سواء المكان أو الأشخاص) تذكِّرك بضعفك، والبيئة الجديدة تعطيك فرصة لتكون شخصًا آخر.
وقد شبَّه النبي ﷺ الجليس الصالح بـ«حامل المسك» [متفق عليه]، فحتى لو لم يعطك من مسكه (نُصحه)، ستنالك منه رائحة طيبة (بعث النشاط والإيمان).
وختامًا يا بني، تذكر أن الليل مهما طال فلا بد من بزوغ الفجر، وأن هذه السحابة السوداء ستمر بإذن الله، وتصبح ذكرى تعلمت منها الصبر والقرب من الله بضعفك وانكسارك. وثق بأن الله لا يضيع من التجأ إليه بصدق.
إن رحلتك من القاع إلى القمة لا تتطلب قفزة واحدة عملاقة؛ بل تتطلب خطوات صغيرة ثابتة مستعينة بالله. لا تلتفت لخداع الشيطان حين يقول لك: «لا فائدة»، فالله يفرح بتوبتك وعودتك وبمحاولتك أكثر مما تتخيل. فاستعن بالله ولا تعجز.
فاللهم يا مؤنس كل وحيد، ويا صاحب كل فريد، ويا قريبًا غير بعيد، ويا شاهدًا غير غائب، ويا غالبًا غير مغلوب؛ أسألك أن تنزل السكينة على قلب هذا الشاب، وأن تشرح صدره، وتذهب همه وغمه. اللهم أعد إليه لذة العبادة، وحلاوة القرب منك، وقوة البدن، وصفاء الذهن. اللهم خذ بيده إليك، ودله بك عليك، واجعل ما يمر به كفارة لذنوبه ورفعًا لدرجاته، اللهم آمين.
روابط ذات صلة:
الشعور بانغلاق القلب.. برنامج عملي لفتوحات مضيئة
هل التقلب بين الطاعات والفتور دليل على ضعف الإيمان؟
يتقلب مزاجي فأقصِّر في العبادات.. الأسباب أولًا!