كيف نقاوم توقع المصائب ووسواس الخوف على الأهل؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : وساوس وشكوك
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 544
  • رقم الاستشارة : 3728
01/01/2026

السلام عليكم..

أنا طالبة جامعية، وعايشة مع أسرة يملؤها الحب والاستقرار ولله الحمد، وبطبيعتي متعلقة بوالديني وإخواني مرة. بس من فترة صرت أعاني من حالة قلق ووسوسة ما تفارقني أبد، وهي الخوف الدايم إني أفقد أحد منهم أو يصير لهم مكروه لا قدر الله.

مثلاً: لو تأخر أبوي شوي وهو راجع من الدوام، أو طلعت أمي أو واحد من إخواني لمشوار بسيط، يبدأ قلبي يخفق بشدة وتجيني أفكار سوداء وتخيلات مرعبة، أتخيل حوادث وموت كأني أشوفها قدامي صدق.

هذا القلق أتعبني، صرت طول الوقت وعيني على الجوال أطمن عليهم، وإذا أحد ما رد علي تضيق الدنيا وأحس بضيق بصدري.

هل هذا يعتبر ضعف في إيماني؟

وهل كثرة تفكيري في المصيبة ممكن يخليها تصير؟

وشلون أقدر أتخطى هـا الفوبيا؟

وكيف أرجع أعيش حياتي بطمأنينة وأتوكل على الله صدق؟

وجزاكم الله عني كل خير.

الإجابة 01/01/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا ابنتي، وأشكرك على ثقتك بنا ومشاركتنا ما يدور في خاطرك ونفسك. أسأل الله العلي القدير أن يربط على قلبك، ويُنزل عليك السكينة والطمأنينة، ويحفظ لك والديك وإخوتك، ويبارك في أعمارهم على طاعته، ويجعل بيتكم عامرًا بالحب والأمان، وبعد...

 

فأحييك أولًا على برِّك ومشاعرك الطيبة تجاه أسرتك، فهذا الحبُّ ثمرةٌ من ثمرات التربية الصالحة والبيئة الطيبة التي نشأتِ فيها. لكن تعالَي نحلل مشاعرك، حتى تخرجي من حالة القلق والخوف إلى بر الطمأنينة والأمن.

 

هل هذا القلق يعتبر ضعفًا في الإيمان؟

 

أطمئنك يا ابنتي تمامًا: هذا ليس ضعفًا في الإيمان؛ بل هو دليل على رقة قلبك وشدة محبتك. فالمشاعر الإنسانية من خوف وحب وحزن هي فطرة بشرية لم يخلص منها حتى الأنبياء والرسل.

 

لقد خاف يعقوب -عليه السلام- على ابنه يوسف وهو نبيٌّ مرسل، وقال: ﴿وَأَخَافُ أَن يَأْكلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ [يوسف: 13]. وكان النبي ﷺ يحب أبناءه وأحفاده حبًّا شديدًا ويخاف عليهم، ويبكي إن أصابهم ضر أو فارقوه بالموت.

 

إن ما تمرين به هو حالة نفسية ناتجة عن شدة التعلق بأهلك، وأحيانًا يدخل الشيطان للإنسان من باب تلك المحبة وهذا التعلق ليفسد عليه عبادته وحياته، فيحول الحب الفطري إلى قلق مَرَضي.

 

والإيمان لا يعني عدم الشعور بالخوف؛ بل يعني اللجوء إلى الله عند الخوف. فلا تلومي نفسك ولا تتهمي دينك؛ بل استعيني بالله على دفع هذه الوساوس.

 

التحليل النفسي لحالتك

 

ومن وجهة النظر النفسية، فإن ما تمرين به يُصنَّف تحت مظلة الرهاب من فقدان الأحبة، وهو مرتبط بنمط من التفكير يسمى «التفكير الكارثي» أو تضخيم الأمور.

 

وهذا النمط من التفكير يجعل عقلك يقفز مباشرة إلى أسوأ سيناريوهات ممكنة (الموت، المرض، حادث... إلخ). فعند مرورك بموقف عادي تعيشين في دائرة مغلقة تبدأ بمثير (تأخر الوالد مثلًا)، تتبعه فكرة وسواسية (حدث له مكروه)، ثم استجابة جسدية (خفقان القلب، وضيق الصدر)، ثم سلوك قهري (الاتصال المتكرر للاطمئنان)، وهذا السلوك القهري يعطيك راحة مؤقتة، لكنه في الحقيقة يغذي القلق ويجعله يستمر؛ لأن عقلك يتعلم أنه «لولا اتصالي ما اطمأننت»، وهذا وهم كبير.

 

كما أنك تعانين من حالة من «فرط المسؤولية»؛ حيث يشعر عقلك الباطن أن قلقك ومراقبتك هي التي تحمي أهلك، بينما في الحقيقة أن الذي يحميهم ويحميك هو الله وحده، جل وعلا.

 

هل كثرة التفكير في المصيبة تجلبها؟

 

هذا المعتقد غير صحيح شرعًا وعقلًا، ما دام الأمر لم يتجاوز التفكير، ولم تتحدثي به وتذيعيه على أنه يقين وتوقع مؤكد؛ فقد ورد عن بعض السلف أن «البلاء موكل بالمنطق»، وقد كان النبي ﷺ يعجبه الفأل الحسن، ويحذر من الطِّيَرَة (التشاؤم).

 

إن المقادير بيد الله -سبحانه وتعالى- وحده، ولا تقع الحوادث بناءً على أفكارنا أو تخيلاتنا. فالله عز وجل يقول: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكمْ إِلَّا فِي كتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ [الحديد: 22].

 

لكن التفكير السوداوي هو من سوء الظن بالله الذي نهينا عنه، والله –تعالى- يقول في الحديث القدسي: «أنا عند ظنِّ عبدي بي، فليظنَّ بي ما شاء» [رواه أحمد]. فإذا ظننتِ بالله خيرًا وحفظًا، كان لك ذلك بإذن الله.

 

إن الأفكار المرعبة التي تراودك هي «خواطر شيطانية» هدفها أن يحزنك الشيطان ويقعدك عن عمل الصالحات الدينية والدنيوية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: 10]. فاطمئني، إن فكرك لا يخلق قدرًا، وقدر الله كله خير.

 

كيف تتخطين هذه «الفوبيا» والوساوس؟

 

للتخلص من هذا القلق، أنصحك بالتالي:

 

1- التجاهل التام: عندما تأتيك فكرة أن حادثًا سيقع، قولي فورًا: «هذا وسواس من الشيطان ولا حقيقة لها»، فاستعيذي بالله منه، ثم انشغلي بأي شيء فورًا. لا تسترسلي مع الفكرة، وادفعيها؛ لأن الاسترسال والتوسع هو ما يقوي الوسواس.

 

2- قطع سلوكيات الطمأنة: حاولي بالتدريج تأخير الاتصال إذا شعرت بالقلق ناحية أحد من أسرتك. انتظري 10 دقائق قبل أن تتصلي، ثم في المرة القادمة اجعليها 20 دقيقة، وهكذا، حتى تتيقني وتتعودي أن غيابهم لا يعني بالضرورة وقوع مكروه.

 

3- التفكير العكسي: كم مرة تأخر والدك وتخيلتِ أنه وقع له مكروه ثم عاد سالمًا؟ بالتأكيد عشرات المرات. ذكري نفسك دومًا بحقيقة الواقع الذي عشتِه فعلًا لا بالتخيلات. ثم حوِّلي تفكيرك للتوقعات الإيجابية، كأن تقولي لنفسك: «لعله ذهب لزيارة أحد، لعله كان لديه عمل كثير، لعل ذهب ليشتري شيئًا... إلخ»، وهكذا مع كل أفراد الأسرة.

 

كيف تعيشين بطمأنينة وتوكل حقيقي؟

 

إن التوكل يا ابنتي ليس كلمة تقال؛ بل هو حال قلبي يتلخص في بذل السبب مع تفويض النتيجة لله.

 

اجعلي خوفك وقودًا للذِّكر والدعاء. قولي دائمًا: «اللهم إني استودعتك إياهم في ليلهم ونهارهم، في حركتهم وسكونهم». الاستيداع عند الله يمنحك راحة نفسية عجيبة؛ لأنك نقلتِ ملف الحماية من عهدتك الضعيفة إلى عهدة القوي العزيز.

 

ودربي نفسك على الإيمان بقضاء الله وقدره، وأنه –سبحانه- لا يقدر للمؤمن إلا خيرًا. يقول النبي ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن» [رواه مسلم].

 

وختامًا يا ابنتي، أنت شابة في مقتبل العمر، وهذه المشاعر تعيق دراستك وحياتك كلها، وتقلل استمتاعك بالعيش مع أسرتك. اطردي هذه الأفكار والوساوس، واستعيذي بالله من الهم والحزن، واستمتعي بكل لحظة معهم، وثقي أن الله الذي جمعكم على الحب قادر على أن يديم عليكم ستره وعافيته.

 

أسأل الله أن يحفظكم جميعًا، وأن يسبغ عليكم عنايته ورعايته، وأن يعافيكم من ابتلائه، ويلطف بكم في قضائه.

 

روابط ذات صلة:

 الخوف من الموت بعد وفاة قريب.. وسواس أم يقظة إيمان؟

هل الوساوس ابتلاء؟

أنقذوني.. الوساوس تداهم إيماني

الرابط المختصر :