الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : التخطيط الدعوي
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
9 - رقم الاستشارة : 4577
14/04/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلت اليوم للمحطة الستين. بصفتي داعية يعيش في مجتمع (تعددي) (متعدد الأديان والمذاهب)، أواجه صعوبة في الموازنة بين (التمسك بالعقيدة) وبين (الحوار المنفتح) الذي يبني السلم المجتمعي.
هناك من الشباب من يرى أن مجرد الحوار مع المخالف هو (تنازل)، وهناك من يذوب في الآخر لدرجة ضياع الهوية.
كيف يمكن لـ (صحيفة المدينة) أن تكون دستورًا لنا في إدارة (الاختلاف)؟ وما هي القواعد التي تضمن لنا أن نكون (دعاة سلم) دون أن نفقد خصوصيتنا الإيمانية؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله وبوركت هذه الرحلة المعرفية. إن صحيفة المدينة هي (المعجزة السـياسـية) التي أثبتت أن الإسلام قادر على قيادة مجتمع متنوع بـ(العدل) لا بـ (الإقصاء). لقد صاغت الصحيفة مفهومًا ثوريًّا هو (الأمة التعاقدية) التي تشترك في الوطن والأمن مع بقاء كل طرف على دينه.
إليك المنهجية النبوية في بناء جسور الحوار، مستلهمة من بنود وثيقة المدينة المنورة:
أولاً: قاعدة (الندية والاحترام) (لليهود دينهم وللمسلمين دينهم): الصحيفة لم تطلب من اليهود أن يصبحوا مسلمين لكي يتمتعوا بحقوق المواطنة.
1. الاعتراف بخصوصية الآخر: نصت الصحيفة بوضوح: (وأن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم). علم الشباب أن (الاعتراف بوجود الآخر) لا يعني (الإقرار بصحة معتقده). نحن نتحاور من أرضية (الإنسانية والوطن) لنحقق السلم، ونترك الحساب في (العقائد) لرب العباد يوم القيامة. هذا الوضوح يحمي الهوية من (الذوبان) ويحمي المجتمع من (الصدام).
2. كف الأذى اللفظي: الحوار يبدأ من لغة نظيفة. الصحيفة منعت الظلم والبغي، والداعية الناجح هو من يحاور بالتي هي أحسن (وجادلهم بالتي هي أحسن).
ثانيًا: (المصالح المشتركة) كأرضية للحوار: ركزت الصحيفة على ما يجمع (الأمن، النفقة، الدفاع عن المدينة) أكثر مما يفرق.
1. البحث عن (كلمة سواء): وجه الشباب للبحث عن (المساحات المشتركة) (القيم الأخلاقية، حماية البيئة، محاربة المخدرات، العدالة الاجتماعية). حين يعمل المسلم مع غيره على (هدف إنساني نبيل)، تنهدم جدران الكراهية وتفتح أبواب الدعوة بالقدوة.
2. التكافل في الأزمات: نصت الصحيفة على (التناصر على من حارب أهل هذه الصحيفة). هذا يعلمنا أن (الأمن القومي) والاجتماعي هو مسؤولية تضامنية، والداعية يجب أن يكون أول من يدعو لـ (لحمة الصف) في مواجهة الأخطار العامة.
ثالثًا: (العدل) هو مفتاح القلوب (وإن من تبعنا.. فإن له النصـر والأسوة):
1. الإنصاف مع المخالف: الصحيفة أعطت (حق النصـرة) لليهودي المظلوم كما للمسلم. علم الشباب أن (العدل مع المخالف) هو أعظم دعاية للإسلام. حين يرى الآخر منك إنصافًا وأمانة، فإنه سـيحترم دينك قبل أن يسمع كلامك.
2. رفض (العنصـرية الرقمية): حذرهم من خطاب الكراهية على الإنترنت؛ فالصحيفة كانت (ميثاق سلم)، والمسلم الحقيقي هو من (سَلِمَ الناس من لسانه ويده).
وأنصحك ختامًا بالآتي، عليك بـ:
* خطاب (الرحمة للعالمين): ذكّرهم بأن النبي ﷺ لم يُبعث (لعانًا)، بل بعث (رحمة)، والرحمة تشمل الخلق جميعًا.
* الثبات بمرونة: كن كـ (النخلة)؛ جذورها راسخة في الأرض (العقيدة)، وأغصانها تتمايل مع الريح بمرونة (المعاملات والحوار).
* الدعاء بالهداية: اجعل ختام كل حوار هو الدعاء للآخر بـ(البصيرة)، فالهداية بيد الله وحده.
* الاستمرارية: كانت الصحيفة وثيقة دائمة، فليكن خلقك في الحوار (منهج حياة) لا (موقفًا عابرًا).
وأسأل الله العظيم أن يجعلنا (مفاتيح للخير مغاليق للشـر)، وأن يجعل هذا الجهد خالصًا لوجهه الكريم، ونافعًا لشباب أمتنا، وحجة لنا لا علينا يوم نلقاه.
روابط ذات صلة:
فقه الجوار.. كيف يحقق الداعية الأمان المجتمعي في بيئات التعددية الدينية؟
كيف يبني الداعية الأمان النفسـي لغير المسلمين في مجتمع الأغلبية؟