الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
5 - رقم الاستشارة : 5393
22/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا مشرف عام على برنامج أكاديمي شرعي مخصص لتأهيل طلبة العلم والدعاة الشباب. واجهتني حالة متكررة ومؤلمة جدًّا؛ لعدد من الطلاب المتميزين الذين كانوا شعلة من النشاط والطلب والعبادة، وفجأة ينقطعون تماماً، وينكفئون على أنفسهم، بل ويدخل بعضهم في حالات "انتكاسة حادة" وجفاف روحي، وربما يتفلتون من أبسط الواجبات الشرعية أو يقعون في مستنقع الشبهات والشهوات بشكل عكسي صادم.
المشكلة أن الأسلوب السائد في معالجة هذه الحالات يقتصر على "اللوم والزجر والوعظ والتهديد بعقوبة الله"، أو إشعار الطالب بالخيانة لعهد العلم، مما يزيده عنادًا وهروبًا وإحباطًا.
أرى أن هناك حلقة مفقودة في فقه التعامل مع المنقطعين والمنتكسين تربويًّا ونفسيًّا.. كيف يمكن للعلماء والمربين صياغة منهجية رفيقة ومبدعة تحتضن المنتكس وتفهم أسباب فترته وتأخذ بيده برفق لاستعادة توازنه الإيماني والعقلي دون إقصاء أو قسوة؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، أهلاً بحرصكم الكبير وعاطفتكم التربوية الأبوية المسددة تجاه
طلابكم؛ فإن رعاية "طالب العلم المكلوم أو الكسول" هي من أدق ثغور
التربية وأقربها إلى منهج الأنبياء والرسل؛ فالإنسان ليس آلة صماء تسير على وتيرة
واحدة، بل هو كتلة من المشاعر والتقلبات والضعف البشري، وإن الجهل بطبيعة النفس
البشرية وفقه الفتور والانتكاس قد يحول محضن العلم والتربية من مكان للشفاء
والهداية إلى مقصلة تقتل روح الطالب وتدفعه نحو الضياع الأبدي.
إن الشريعة
الإسلامية تقرر بوضوح أن النفوس يعتريها الفتور والإقبال والإدبار، وأن هذا
التذبذب طبيعة إنسانية لا يسلم منها أحد، كما قال النبي ﷺ في الحديث الشريف
المحكم: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَمَنْ
كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ» [رواه أحمد].
والمنهج النبوي
في التعامل مع المخطئين أو الفاترين من أصحابه كان يفيض بالرحمة، والستر، واحتواء
الضعف البشري؛ وتأمل قصة الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، حين وقع
في هفوة عظيمة كادت تصنف في معايير البشر خيانة كبرى، فلم يعنفه النبي ﷺ ولم
يقصِه، بل سأله برفق: «مَا هَذَا يَا حَاطِبُ؟»، ونظر إلى سابق فضله وشهد له
بالخيرية قائلاً: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا» [متفق عليه].
إن التفات المربي
لضعف النفس وتقديره للحالة النفسية والاجتماعية التي يمر بها الطالب هو عصب المنهج
العلاجي الرشيد، والله تعالى يقول: ﴿كذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ
اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: 94].
إنَّ أسباب
الانتكاس والفتور الحاد لدى طلبة العلم غالبًا ما تعود إلى "الإرهاق النفسي
والذهني" الناتج عن الغلو في تكليف النفس فوق طاقتها، أو الصدمة بواقع معقد،
أو وجود أزمات أسرية ومادية خفية لا يجد الطالب مخرجًا منها، فيتحول الدين والعلم
في عقله الباطن إلى عبء ثقيل يهرب منه بالارتماء في الضد.
المنهج العلاجي
يقتصر هنا على تفكيك هذه الأزمة عبر مسارات هادئة؛ تبدأ من "إسقاط سيف اللوم
والوعظ الزجري الفوري"، والانتقال إلى "الاستماع الإنساني الحاني الحافي
بالحب والدعم"؛ ليشعر الطالب أن قيمته عند مربيه نابعة من كونه إنسانًا وأخًا
في الله، لا لكونه مجرد رقم متميز في سجلات الأكاديمية.
ومن الناحية
التطبيقية والعملية لعلاج هذه الظاهرة في برنامجكم، نوصي بتفعيل الآتي:
أولاً: إطلاق
"وحدة التوجيه والإرشاد النفسي التربوي" بالبرنامج، يشرف عليها دعاة
يجمعون بين العلم الشرعي وعلوم النفس السلوكية، وتكون مهمتها رصد بوادر الفتور
والانعزال المبكر لدى الطلاب والتدخل الوقائي السري والرفيق.
ثانيًا: اعتماد
"فقه التخفيف والتبسيط" وقت الأزمات؛ فإذا مر الطالب بفترة فتور وضغط،
يُنصح بترك المتون الصعبة والبحوث الجافة مؤقتًا، وتوجيهه بالاقتصار على فرائض
الدين، وبعض العبادات الخفية الحبيبة لنفسه، وقراءة قصص التوابين والرحمة الإلهية؛
حتى تسترد نفسه عافيتها ونشاطها.
ثالثًا: إدماج
الطلاب في "أنشطة ترويحية واجتماعية وبيئية دورية" تكسر جمود القراءة
والحفظ، وتجدد حيوية البدن والنفس، وتعمق الأخوة الصادقة بينهم.
وأنصحك
ختامًا بالآتي:
• عندما تلاحظ
غياب طالب متميز أو تغير سلوكه، لا تتركه ل عزلته، بل بادر بزيارته في بيته زيارة
ودية أخوية خالية تمامًا من العتاب والحديث عن الدراسة، وسل عن أحواله وصحته برفق.
• رسّخ في نفوس
طلابك ثقافة أن "الوقوع في الخطأ أو الذنب ليس نهاية العالم"، وأن
التوبة والاستغفار والمحاولة والنهوض مجددًا هي جوهر العبودية التي يحبها الله
سبحانه.
• تعامل مع أسرار
الطلاب وظروفهم الخاصة بأعلى درجات الأمانة والكتمان، فالطالب لن يفتح قلبه لمربٍ
يشعر أنه قد يفضح سره أو ينتقصه بين أقرانه.
وأسأل الله
العظيم، رب العرش الكريم، أن يرزقكم سداد الرأي وفيض الرحمة في تربية هذه الثلة من
طلاب العلم، وأن يعصم قلوبهم من الفتن والفتور، وأن يردهم إليه ردًّا جميلاً،
ويجعلكم مفاتيح للخير والسكينة والتثبيت في حياتهم.
روابط ذات صلة:
فقه استمرارية التعلم والمسؤولية الجماعية