الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : وساوس وشكوك
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
162 - رقم الاستشارة : 4244
02/03/2026
مرحبًا بك يا بني، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وعلى صراحتك التي تنمُّ عن نفسٍ طيبةٍ. أسأل الله أن يشرح صدرك، ويُذهب عنك همَّك، ويرزقك طمأنينة القلب، ويثبتك على طاعته، ويجعلك من عباده المخلصين المقبولين، وبعد...
تفسير هذه المشاعر
إن ما تشعر به من لوم النفس وعدم الرضا عن الطاعة له وجهان، وكلاهما يحتاج منك إلى وعي:
1- النفس اللوامة: الشعور بالتقصير هو أصلٌ في النفس اللوامة التي أقسم الله بها في كتابه حين قال: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2]. هذه النفس هي التي تلوم صاحبها على التقصير في حق الله، وهي علامة على حياة القلب؛ فالميت لا يشعر بالألم، والقلب الغافل لا يلوم صاحبه.
2- وساوس الشيطان: حين يتجاوز هذا الشعور حده ليتحول إلى رؤية النفس خالية من الخير، فهنا يبدأ تدخل الشيطان. الشيطان لا يستطيع أن يغويك بالمعصية لأنك محافظ على العبادات، فيأتيك من باب الإحباط، ليجعلك تزهد في العمل، ويوهمك بأن عبادتك غير مقبولة، وبأنك منافق، حتى تملَّ وتترك العمل في النهاية.
مثال من السيرة:
كان الصحابة -رضوان الله عليهم- وهم أفضل الناس، يخشون على أنفسهم النفاق. فهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يسأل حذيفة بن اليمان (حافظ سر الرسول ﷺ): «أنشدك الله، أسمَّاني رسول الله ﷺ مع المنافقين؟». فإذا كان الفاروق يخشى على نفسه؛ فمن الطبيعي أن يشعر المؤمن دائمًا بالتقصير؛ لكن الفرق أن عمر لم يتركه هذا الشعور للإحباط، بل دفعه لمزيد من العمل.
هل هذه المشاعر ترضي الله أم تغضبه؟
هذه المشاعر تنقسم إلى نوعين:
النوع الذي يرضي الله: وهو التواضع وعدم الإعجاب بالنفس. فالله يحب العبد الذي يرى فضل الله عليه، ولا يرى نفسه خيرًا من غيره. إن الشعور بالتقصير يدفعك للانكسار بين يدي الله، وهذا الانكسار هو لبّ العبودية. يقول ابن القيم رحمه الله: «إن العبد ليذنب الذنب يدخل به الجنة، ويطيع الطاعة يدخل بها النار. قالوا: كيف؟ قال: يذنب الذنب فلا يزال نصب عينيه، إن قام وإن قعد وإن مشى ذكر ذنبه، فيُحدث له انكسارًا وتوبة واستغفارًا، فيكون ذلك سبب نجاته. ويفعل الحسنة، فلا تزال نصب عينيه، إن قام وإن قعد وإن مشى، فيُحدث له عُجْبًا وكبرًا ومنَّة، فتكون سبب هلاكه».
النوع الذي لا يرضي الله: هو احتقار النفس الكلي الذي يؤدي لليأس من روح الله، أو تكذيب فضل الله. حين تقول: «لا أرى في نفسي خيرًا»، فأنت هنا تغفل عن نعم الله عليك التي وفقك بها للصلاة والعبادة. إن الله لا يرضى لعبده أن ييأس من رحمته أو أن ينكر نعمة الهداية التي وهبه إياها. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53]. فإذا كان هذا حال المسرفين، فكيف بمن يحاول الطاعة؟!
كيف تتخلص من المشاعر السلبية وتصل للإخلاص؟
للتخلص من هذه الحالة، عليك اتباع الخطوات التالية:
1- فرِّق بين «إخفاء العمل» وبين «الشك في النية»:
الشك في الإخلاص هو بحد ذاته علامة على الإخلاص؛ لأن المنافق لا يقلق بشأن إخلاصه أبدًا. يقول الحسن البصري عن النفاق: «ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق». فلا تترك العمل خوفًا من الرياء؛ لأن ترك العمل لأجل الناس هو رياء أيضًا.
2- اعرف ربك بصفاته:
أنت تعامل ربًّا شكورًا، ومن معاني اسم الله (الشكور) أنه يقبل القليل من العمل، ويعطي عليه الكثير من الأجر، ويقبل العمل الناقص فيكمله بفضله.
3- عالج احتقار النفس بالامتنان:
بدلًا من قول: «أنا ناقص»، قل: «الحمد لله الذي هداني لهذا، وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله»، فإن نسب الفضل لله يخرجك من رؤية نفسك إلى رؤية فضل ربك، وهذا يزيل الهم.
4- تذكَّر بشارة النبي ﷺ:
عندما يمدحك الناس وأنت تكره ذلك أو تشك في نفسك، تذكَّر أن رسول الله ﷺ سُئل: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» [رواه مسلم]. فمدح الناس لك دون طلب منك هو هدية، وعلامة خير، وسكينة يضعها الله لك في الأرض.
وختامًا يا بني، إن هذا الوخز في قلبك هي دليل على صدق إيمانك؛ لكن لا تجعل الشيطان يمتطيها ليصيبك بالفتور. كن بين الخوف والرجاء؛ خف من التقصير لتعمل، وارجُ رحمة الله لتسكن وتطمئن.
فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبه على دينك، اللهم ارزقه الإخلاص في القول والعمل، وأخرج من قلبه وساوس الشيطان، وأنزل عليه سكينة من عندك تملأ روحه طمأنينة ويقينًا. اللهم اجعل سره خيرًا من علانيته، واجعل علانيته صالحة، وتقبل منه يسير عمله وتجاوز عن تقصيره يا أرحم الراحمين.
روابط ذات صلة:
إمام يمدح الناس قراءته.. كيف يتقي الرياء والعُجب؟
أرهقني التكلف في إظهار «المثالية» وأخشى الرياء
الإخلاص والاستعاذة علاج للرياء والوسوسة
مرحبًا بك يا بني، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وعلى صراحتك التي تنمُّ عن نفسٍ طيبةٍ. أسأل الله أن يشرح صدرك، ويُذهب عنك همَّك، ويرزقك طمأنينة القلب، ويثبتك على طاعته، ويجعلك من عباده المخلصين المقبولين، وبعد...
تفسير هذه المشاعر
إن ما تشعر به من لوم النفس وعدم الرضا عن الطاعة له وجهان، وكلاهما يحتاج منك إلى وعي:
1- النفس اللوامة: الشعور بالتقصير هو أصلٌ في النفس اللوامة التي أقسم الله بها في كتابه حين قال: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2]. هذه النفس هي التي تلوم صاحبها على التقصير في حق الله، وهي علامة على حياة القلب؛ فالميت لا يشعر بالألم، والقلب الغافل لا يلوم صاحبه.
2- وساوس الشيطان: حين يتجاوز هذا الشعور حده ليتحول إلى رؤية النفس خالية من الخير، فهنا يبدأ تدخل الشيطان. الشيطان لا يستطيع أن يغويك بالمعصية لأنك محافظ على العبادات، فيأتيك من باب الإحباط، ليجعلك تزهد في العمل، ويوهمك بأن عبادتك غير مقبولة، وبأنك منافق، حتى تملَّ وتترك العمل في النهاية.
مثال من السيرة:
كان الصحابة -رضوان الله عليهم- وهم أفضل الناس، يخشون على أنفسهم النفاق. فهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يسأل حذيفة بن اليمان (حافظ سر الرسول ﷺ): «أنشدك الله، أسمَّاني رسول الله ﷺ مع المنافقين؟». فإذا كان الفاروق يخشى على نفسه؛ فمن الطبيعي أن يشعر المؤمن دائمًا بالتقصير؛ لكن الفرق أن عمر لم يتركه هذا الشعور للإحباط، بل دفعه لمزيد من العمل.
هل هذه المشاعر ترضي الله أم تغضبه؟
هذه المشاعر تنقسم إلى نوعين:
النوع الذي يرضي الله: وهو التواضع وعدم الإعجاب بالنفس. فالله يحب العبد الذي يرى فضل الله عليه، ولا يرى نفسه خيرًا من غيره. إن الشعور بالتقصير يدفعك للانكسار بين يدي الله، وهذا الانكسار هو لبّ العبودية. يقول ابن القيم رحمه الله: «إن العبد ليذنب الذنب يدخل به الجنة، ويطيع الطاعة يدخل بها النار. قالوا: كيف؟ قال: يذنب الذنب فلا يزال نصب عينيه، إن قام وإن قعد وإن مشى ذكر ذنبه، فيُحدث له انكسارًا وتوبة واستغفارًا، فيكون ذلك سبب نجاته. ويفعل الحسنة، فلا تزال نصب عينيه، إن قام وإن قعد وإن مشى، فيُحدث له عُجْبًا وكبرًا ومنَّة، فتكون سبب هلاكه».
النوع الذي لا يرضي الله: هو احتقار النفس الكلي الذي يؤدي لليأس من روح الله، أو تكذيب فضل الله. حين تقول: «لا أرى في نفسي خيرًا»، فأنت هنا تغفل عن نعم الله عليك التي وفقك بها للصلاة والعبادة. إن الله لا يرضى لعبده أن ييأس من رحمته أو أن ينكر نعمة الهداية التي وهبه إياها. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53]. فإذا كان هذا حال المسرفين، فكيف بمن يحاول الطاعة؟!
كيف تتخلص من المشاعر السلبية وتصل للإخلاص؟
للتخلص من هذه الحالة، عليك اتباع الخطوات التالية:
1- فرِّق بين «إخفاء العمل» وبين «الشك في النية»:
الشك في الإخلاص هو بحد ذاته علامة على الإخلاص؛ لأن المنافق لا يقلق بشأن إخلاصه أبدًا. يقول الحسن البصري عن النفاق: «ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق». فلا تترك العمل خوفًا من الرياء؛ لأن ترك العمل لأجل الناس هو رياء أيضًا.
2- اعرف ربك بصفاته:
أنت تعامل ربًّا شكورًا، ومن معاني اسم الله (الشكور) أنه يقبل القليل من العمل، ويعطي عليه الكثير من الأجر، ويقبل العمل الناقص فيكمله بفضله.
3- عالج احتقار النفس بالامتنان:
بدلًا من قول: «أنا ناقص»، قل: «الحمد لله الذي هداني لهذا، وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله»، فإن نسب الفضل لله يخرجك من رؤية نفسك إلى رؤية فضل ربك، وهذا يزيل الهم.
4- تذكَّر بشارة النبي ﷺ:
عندما يمدحك الناس وأنت تكره ذلك أو تشك في نفسك، تذكَّر أن رسول الله ﷺ سُئل: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» [رواه مسلم]. فمدح الناس لك دون طلب منك هو هدية، وعلامة خير، وسكينة يضعها الله لك في الأرض.
وختامًا يا بني، إن هذا الوخز في قلبك هي دليل على صدق إيمانك؛ لكن لا تجعل الشيطان يمتطيها ليصيبك بالفتور. كن بين الخوف والرجاء؛ خف من التقصير لتعمل، وارجُ رحمة الله لتسكن وتطمئن.
فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبه على دينك، اللهم ارزقه الإخلاص في القول والعمل، وأخرج من قلبه وساوس الشيطان، وأنزل عليه سكينة من عندك تملأ روحه طمأنينة ويقينًا. اللهم اجعل سره خيرًا من علانيته، واجعل علانيته صالحة، وتقبل منه يسير عمله وتجاوز عن تقصيره يا أرحم الراحمين.
روابط ذات صلة:
إمام يمدح الناس قراءته.. كيف يتقي الرياء والعُجب؟
أرهقني التكلف في إظهار «المثالية» وأخشى الرياء