الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : وساوس وشكوك
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
5272 - رقم الاستشارة : 2193
26/07/2025
كثيرًا ما أسمع أن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه أو قربه إليه أو فتح له أبواب الطاعات، لكنني لا أشعر أن هذا الوصف ينطبق عليّ، وهذا ما يؤلمني ويجعلني أتساءل عن مكانتي عند ربي.
كلما حاولت جاهدًا أن أتقرب إلى الله بالعبادات، أصابني فتور شديد، فأتكاسل أو أنشغل بأمور الدنيا، أو أقع في ذنب يكسر عزيمتي، فأشعر بالإحباط الشديد من نفسي.
الأمر لا يتوقف عند الفتور، بل يتعداه إلى البلاء. فكلما عقدت العزم على التغيير والاقتراب، أصابتني مصيبة أو ابتلاء في حياتي (في صحتي، رزقي، علاقاتي، أو ضغوط نفسية) لا أطيق الصبر عليه. هذه الابتلاءات لا تزيدني إلا جزعًا وضيقًا، وتجعلني أتساءل: هل أنا من الذين لا يحبهم الله؟ وهل أنا بعيد عنه إلى هذا الحد؟
أشعر بضعف شديد في إيماني، وتقصير، وقلة صبر.
كيف أتعامل مع هذا التفكير المؤلم بأن الله لا يحبني؟
وهل يمكن حقًّا أن يحبني الله رغم كل هذا الضعف والتقصير وقلة الصبر؟
وما الخطوات العملية التي تنصحونني بها لأتجاوز هذه المرحلة وأجد طعم القرب من الله ومحبته؟
مرحبًا بك أخي الفاضل، وشكرًا جزيلًا لك على ثقتك بنا، وعلى فتح قلبك لنا، وأسأل الله –سبحانه- أن يشرح صدرك، وأن ييسر أمرك، وأن يرزقك حبّه والقرب منه، وأن يثبت قلبك على دينه وطاعته، وبعد...
يا أخي الحبيب، كلنا يخطئ ويقصِّر ويضعف؛ ولكن المهم مع هذا أن نحافظ على قلوبنا حية، وعلى شجرة الإيمان مورقة ومثمرة فيها، وهي لن تظل كذلك إلا بالسقي والرعاية؛ بيقيننا أن الله -سبحانه وتعالى- هو الرحيم واللطيف وصاحب الفضل.
إن فكرة أن الله لا يحبك بسبب ما تمر به من تقصير أو ابتلاء هي وسوسة من الشيطان ليثبطك عن طريق الخير. والحقيقة مختلفة تمامًا عما تشعر به، وهذا ما سأحاول بيانه لك في السطور التالية.
أولًا- الابتلاء علامة حب لا علامة غضب
«إن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه»، هذه ليست مجرد مقولة؛ بل هي حقيقة قرآنية ونبوية راسخة. فالابتلاء ليس دائمًا عقوبة؛ بل هو في كثير من الأحيان تطهير، وترقية، واختبار لصدق الإيمان، وسبيل لرفع الدرجات.
- الابتلاء تكفير للذنوب: تخيل يا أخي أن الله يحبك لدرجة أنه يريد أن يطهّرك من ذنوبك هنا في الدنيا، قبل أن تلقاه يوم القيامة. يقول النبي ﷺ: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه» [رواه البخاري] أليس هذا قمة الحب؟
- الابتلاء لرفع الدرجات: أحيانًا يكون الابتلاء وسيلة لترقية منزلتك عند الله إلى درجة لم تكن لتصل إليها بعملك الصالح وحده. قال رسول الله ﷺ: «إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله، ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده، ثم صبر على ذلك حتى يُبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى» [رواه أبو داود]. فالله يعلم قدرة قلبك على الصبر، ويريد أن يظهر فضلك، ويكرمك بما لم تكن لتدركه.
- الابتلاء علامة اصطفاء: الأنبياء والصالحون هم أشد الناس ابتلاءً. لماذا؟ لأنهم أحب الناس إلى الله. هذا يدل على أن الابتلاء ليس دليلًا على السخط، بل على الاصطفاء. سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» [رواه الترمذي]. فهل يُعقل أن الله يبتلي أحبابه ليعذبهم؟ حاشا لله؛ بل ليطهرهم ويرفع منزلتهم.
ثانيًا- الفتور والتقصير ليسا نهاية المطاف
إن الله -سبحانه وتعالى- يعلم ضعفنا، ويعلم أننا نخطئ ونعود ونخطئ ونعود. المهم هو إصرارك على العودة والتوبة، واعلم أن:
- رحمة الله الواسعة: الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين. إن مجرد شعورك بالندم ورغبتك في التوبة والإنابة هو علامة من علامات حب الله لك. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة الزمر: 53]. انظر كيف بدأ الخطاب بـ «يا عبادي»! إنه نداء مليء بالحب والرحمة.
- باب التوبة مفتوح دائمًا: ما دامت روحك في جسدك، فباب التوبة مفتوح. كلما أذنبت، تُبْت. كلما شعرت بالفتور، عُدْت. قال رسول الله ﷺ: «إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها» [رواه مسلم].
ثالثًا- خطوات عملية نحو القرب من الله
أخي الحبيب، تعالَ نتعامل مع هذا الألم، ونحوله إلى قوة دافعة نحو الله. وأنصحك بالآتي:
1- غيّر نظرتك للابتلاء:
تذكّر –يا أخي- حكمة الله، فكل ما يحدث لك هو بتقدير الله وعلمه وحكمته. وهو –سبحانه- أعلم بما يصلحك. واستحضر الأجر، فكل صبر على بلاء له أجر عظيم عند الله، وكل ألم سيزول، ويبقى الأجر.
سلِّم أمرك لله، وكن على ثقة مطلقة في أن الله لن يظلمك، وأن كل قدره خير، حتى لو لم تفهم حكمته الآن. قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: 216].
2- لا تيأس من رحمة الله:
كلما شعرت بالفتور أو وقعت في الذنب، لا تدع اليأس يتسلل إليك. جدِّد نيتك، وتوضأ، وصلِّ ركعتين، واستغفر.
لا تتوقف عن محاولة التقرب، حتى لو كانت طاعتك قليلة، استمر عليها. قطرة ماء مستمرة تنحت الصخر، والنبي ﷺ يقول: «أحبُّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» [رواه مسلم].
3- الارتباط بالقرآن الكريم:
حاول أن تقرأ القرآن بتأنٍّ وتفكر في معانيه؛ خصوصًا آيات الرحمة والمغفرة. واحفظ ولو آيات قليلة، فحفظ القرآن يثبِّت القلب ويقوي الإيمان. ولا تحرم نفسك من الاستماع إليه، ولتجعله رفيقك في يومك.
4- الإكثار من الدعاء:
الدعاء هو سلاح المؤمن، واعتراف بضعفك وافتقارك لله. ادع الله بصدق أن يثبت قلبك، وأن يرزقك الصبر، وأن يحببك في طاعته.
5- الصحبة الصالحة:
ابحث عن صحبة صالحة تعينك على الخير، تُذكرك إذا نسيت، وتشجعك إذا فترت. يقول الله عز وجل: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]. وقال ﷺ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَليلِه؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخالِلْ» [رواه أبو داود].
6- التفكّر في نعم الله:
حاول أن تنظر إلى نعم الله عليك، حتى في أشد أوقات الضيق، فهذا يغرس الشكر في قلبك ويقوي صلتك بالله: الصحة، العافية، وجود من تحب... إلخ.
7- الصدقة ولو بالقليل:
الصدقة تطهر النفس وتزيد البركة في الرزق. حتى لو كانت بمبلغ يسير.
8- قيام الليل ولو بركعتين:
فهو خلوة مع الله، تشعر فيها بالقرب منه بعيدًا عن ضجيج الدنيا. حتى لو ركعتين فقط.
9- تجنب مصادر الفتنة والمعاصي:
حاول الابتعاد عن كل ما يوقعك في الذنب أو يسبب لك الفتور. وهذا يتطلب عزيمة ومجاهدة.
وختامًا -أخي الحبيب- تذكر دائمًا أن الله أرحم بك من أمك وأبيك. وإن مجرد شعورك بالذنب، وألمك على تقصيرك، ورغبتك في القرب، هي في حد ذاتها علامات على أن الله يريد بك خيرًا. فلا تدَع الشيطان يقنطك من رحمة الله. استمر في طرق بابه، ولو بقلب مثقل بالذنوب والتقصير.
تخيل أنك طفل صغير سقط مرات ومرات وهو يحاول المشي، فهل تتركه أمه؟ بل تعيده للمحاولة وتمد يدها له. فكيف بالله الذي هو أرحم بك من كل أحد؟
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 6]، هذا وعد الله. بعد كل شدة يأتي الفرج، وبعد كل ضيق يأتي اليسر. كن على يقين بذلك، واستبشر خيرًا، فالله عند حسن ظن عبده به.
سر في طريق القرب من الله بخطوات صغيرة ثابتة، حتى لو تعثرت، قم وتوكل على الله، ستجد أن الله يفتح لك أبوابًا لم تكن تتخيلها، ويزرع في قلبك طعم القرب والحب الذي تبحث عنه.
أسأل الله أن يملأ قلبك حبًّا له، وشوقًا إليه، ويقينًا برحمته. وتابعنا بأخبارك.