من آداب المعاشرة ألا يستعجل الزوج حتى تقضي زوجته حاجتها

Consultation Image

الإستشارة 11/10/2025

ما آداب المعاشرة الجسدية بين الزوجين، وهل واجب على كلا الزوجين أن يشبع رغبة الآخر بعض الأزواج ينهي العلقة الزوجة سريعا بسبب مرضه أو بغير سبب ولا ينتظر حتى تقضى الزوجة حاجته فما حكم ذلك ؟

الإجابة 11/10/2025

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه وسلم تسليمًا، وبعد:

 

فالمعاشرة الجسدية بين الزوجين ليست شهوة عابرة كما يحدث بين الحيوانات، وإنما هي علاقة حميمة، ووشيجة قوية راسخة؛ بها ينال الأجر والثواب، كما أخبر المعصوم ﷺ (وفي بضع أحدكم صدقة)، وهذه العلاقة تحقق مقصدًا كليًّا من مقاصد الشريعة الإسلامية، ألا وهو حفظ النسل، ومن ثمَّ وجب على كلا الزوجين أن يجتهد وسعه وطاقته في إسعاد زوجه، وعدم الاستعجال حتى يتأكد أن زوجه قد أشبع رغبته، وقضى حاجته، ويحتسب في ذلك الأجر والثواب في الإعفاف، خاصة في هذا الزمان الذي صوّر شياطين الإنس للناس أن هذه شهوة حيوانية فقط، وبالغوا في الحديث عنها وتصويرها بطريقة تزهد الناس في الحلال، وتجعلهم يلهثون وراء الحرام ﴿... يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا...﴾ [النور: 39].

 

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي – رحمه الله – في فتوى مطولة نختصر منها:

 

أثر العلاقة الجنسية بين الزوجين

 

إن العلاقة الجنسية بين الزوجين أمر له خطره وأثره في الحياة الزوجية. وقد يؤدي عدم الاهتمام بها، أو وضعها في غير موضعها إلى تكدير هذه الحياة، وإصابتها بالاضطراب والتعاسة. وقد يفضي تراكم الأخطاء فيها إلى تدمير الحياة الزوجية والإتيان عليها من القواعد.

 

وربما يظن بعض الناس أن الدين أهمل هذه الناحية برغم أهميتها. وربما توهم آخرون أن الدين أسمى وأطهر من أن يتدخل في هذه الناحية بالتربية والتوجيه، أو بالتشريع والتنظيم، بناء على نظرة بعض الأديان إلى الجنس "على أنه قذارة وهبوط حيواني".

 

الإسلام لم يغفل العلاقة الزوجية

 

والواقع أن الإسلام لم يغفل هذا الجانب الحساس من حياة الإنسان، وحياة الأسرة، وكان له في ذلك أوامره ونواهيه، سواء منها ما كان له طبيعة الوصايا الأخلاقية، أم كان له طبيعة القوانين الإلزامية.

 

وأول ما قرره الإسلام في هذا الجانب هو الاعتراف بفطرية الدافع الجنسي وأصالته، وإدانة الاتجاهات المتطرفة التي تميل إلى مصادرته، أو اعتباره قذرًا وتلوثًا. ولهذا منع الذين أرادوا قطع الشهوة الجنسية نهائيًّا بالاختصاء من أصحابه، وقال لآخرين أرادوا اعتزال النساء وترك الزواج: "أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له، ولكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني".

 

كما قرر بعد الزواج حق كل من الزوجين في الاستجابة لهذا الدافع، ورغب في العمل الجنسي إلى حد اعتباره عبادة وقربة إلى الله تعالى، حيث جاء في الحديث الصحيح: "وفي بضع أحدكم (أي فرجه) صدقة. قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: نعم. أليس إذا وضعها في حرام كان عليه وزر. كذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر، أتحتسبون الشر ولا تحتسبون الخير؟". رواه مسلم.

 

مراعاة الزوج

 

ولكن الإسلام راعى أن الزوج بمقتضى الفطرة والعادة هو الطالب لهذه الناحية والمرأة هي المطلوبة. وأنه أشد شوقًا إليها، وأقل صبرًا عنها، على خلاف ما يشيع بعض الناس أن شهوة المرأة أقوى من الرجل، فقد أثبت الواقع خلاف ذلك.. وهو عين ما أثبته الشرع، ولهذا:

 

- أوجب على الزوجة أن تستجيب للزوج إذا دعاها إلى فراشه، ولا تتخلف عنه كما في الحديث: "إذا دعا الرجل زوجته لحاجته، فلتأته وإن كانت على التنور".

 

- وحذرها من أن ترفض طلبه بغير عذر، فيبيت وهو ساخط عليها، وقد يكون مفرطًا في شهوته وشبقه، فتدفعه دفعًا إلى سلوك منحرف أو التفكير فيه، أو القلق والتوتر على الأقل، "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت أن تجيء، فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح".

 

وهذا كله ما لم يكن لديها عذر معتبر من مرض أو إرهاق، أو مانع شرعي، أو غير ذلك...

 

حق المرأة الفطري

 

والإسلام حين راعى قوة الشهوة عند الرجل، لم ينس جانب المرأة، وحقها الفطري في الإشباع بوصفها أنثى. ولهذا قال لمن كان يصوم النهار ويقوم الليل من أصحابه مثل عبد الله بن عمرو: إن لبدنك عليك حقًّا، وإن لأهلك (أي امرأتك) عليك حقًّا.

 

قال الإمام الغزالي: "ينبغي أن يأتيها في كل أربع ليال مرة، فهو أعدل، إذ عدد النساء أربع (أي الحد الأقصى الجائز) فجاز التأخير إلى هذا الحد. نعم يبغي أن يزيد أو ينقص بحسب حاجتها في التحصين. فإن تحصينها واجب عليه".

 

ومما لفت الإسلام إليه النظر ألا يكون كل هم الرجل قضاء وطره هو دون أي اهتمام بأحاسيس امرأته ورغبتها.

 

ولهذا روي في الحديث الترغيب في التمهيد للاتصال الجنسي بما يشوق إليه من المداعبة والقبلات ونحوها، حتى لا يكون مجرد لقاء حيواني محض.

 

تنبيه أئمة الإسلام وفقهائه

 

ولم يجد أئمة الإسلام وفقهاؤه العظام بأسًا أو تأثمًا في التنبيه على هذه الناحية التي قد يغفل عنها بعض الأزواج.

 

فهذا حجة الإسلام، إمام الفقه والتصوف، أبو حامد الغزالي يذكر ذلك في إحيائه -الذي كتبه ليرسم فيه الطريق لأهل الورع والتقوى، والسالكين طريق الجنة- بعض آداب الجماع فيقول: (يستحب أن يبدأ باسم الله تعالى. قال عليه الصلاة والسلام: "لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: اللهم جنبني الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا. فإن كان بينهما ولد، لم يضره الشيطان".

 

وليغط نفسه وأهله بثوب... وليقدم التلطف بالكلام والتقبيل. قال ﷺ: "لا يقعن أحدكم على امرأته، كما تقع البهيمة، وليكن بينهما رسول. قيل: وما الرسول يا رسول الله؟ قال: القبلة والكلام". وقال: "ثلاث من العجز في الرجل.. وذكر منها أن يقارب الرجل زوجته فيصيبها [أي يجامعها] قبل أن يحدثها ويؤانسها ويضاجعها فيقضي حاجته منها، قبل أن تقضي حاجتها منه).

 

قال الغزالي: "ثم إذا قضى وطره فليتمهل على أهله حتى تقضي هي أيضا نهمتها، فإن إنزالها ربما يتأخر، فيهيج شهوتها، ثم القعود عنها إيذاء لها. والاختلاف في طبع الإنزال يوجب التنافر مهما كان الزوج سابقًا إلى الإنزال، والتوافق في وقت الإنزال ألذ عندها ولا يشتغل الرجل بنفسه عنها، فإنها ربما تستحي".

 

وبعد الغزالي، نجد الإمام السلفي الورع التقي أبا عبد الله بن القيم يذكر في كتابه "زاد المعاد في هدي خير العباد" هديه ﷺ في الجماع. ولا يجد في ذكر ذلك حرجًا دينيًّا، ولا عيبًا أخلاقيًّا، ولا نقصًا اجتماعيًّا، كما قد يفهم بعض الناس في عصرنا.

 

ومن عبارات ابن القيم: "أما الجماع والباءة فكان هديه فيه أكمل هدي، يحفظ به الصحة، ويتم به اللذة وسرور النفس، ويحصل به مقاصده التي وضع لأجلها. فإن الجماع وضع في الأصل لثلاثة أمور، هي مقاصده الأصلية:

 

أحدها: حفظ النسل، ودوام النوع إلى أن تتكامل العدة التي قدر الله بروزها إلى هذا العالم.

 

الثاني: إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن.

 

والثالث: قضاء الوطر، ونيل اللذة، والتمتع بالنعمة. وهذه وحدها هي الفائدة التي في الجنة.

 

قال: ومن منافعه: غض البصر، وكف النفس، والقدرة على العفة عن الحرام، وتحصيل ذلك للمرأة، فهو ينفع نفسه، في دنياه وأخراه، وينفع المرأة. ولذلك كان ﷺ يتعاهده ويحبه، ويقول: حبب إلى من دنياكم النساء والطيب"..

 

وفي كتاب الزهد للإمام أحمد في هذا الحديث زيادة لطيفة وهي: "أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن".

 

وحث أمته على التزويج فقال: "تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم.." وقال: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج.."، ولما تزوج جابر ثيبًا قال له: "هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك".

 

ثم قال الإمام ابن القيم: "ومما ينبغي تقديمه على الجماع ملاعبة المرأة وتقبيلها مص لسانها. وكان رسول الله ﷺ يلاعب أهله، ويقبلها. وروى أبو داود: "أنه ﷺ كان يقبل عائشة ويمص لسانها" ويذكر عن جابر بن عبد الله قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المواقعة قبل المداعبة".

 

وهذا كله يدلنا على أن فقهاء الإسلام لم يكونوا "رجعيين" ولا "متزمتين" في معالجة هذه القضايا، بل كانوا بتعبير عصرنا "تقدميين" واقعيين. أ.هـ ملخصًا.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

زوجتي تطلب «العلاقة» كثيرًا.. حقها ولكن...!

من المسئول عن السعادة الزوجية.. الرجل أم المرأة؟

الرابط المختصر :