هل اهتمت الحضارة الإسلامية بعلم النفس؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : تاريخ وحضارة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 430
  • رقم الاستشارة : 3725
01/01/2026

علم النفس من العلوم الحديثة ..فهل عرفت الحضارة الإسلامية الاهتمام بعلم النفس أو اهتمت بالحديث في هذا المجال؟

الإجابة 01/01/2026

أخي الكريم، القرآن الكريم شفاء، ومن أشفيته أنه يشفي النفس من أمراضها وهواجسها ويزكيها ويرسم لها طريق الخلاص من المعاناة، وصولا إلى السكينة والطمأنينة، يقول تعالى في سورة الإسراء، الآية (82): ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾، يقول الإمام الفخر الرازي في تفسيره "مفاتيح الغيب" أن "مـن" في الآية ليست للتبعيض، أي ليس في بعض القرآن شفاء، ولكن المقصود هو جنس القرآن نفسه أنه شفاء، فيقول: "والمعنى وننزل من هذا الجنس الذي هو قرآن ما هو شفاء. فجميع القرآن شفاء للمؤمنين، واعلم أن القرآن شفاء من الأمراض الروحانية، وشفاء أيضًا من الأمراض الجسمانية، أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية فظاهر، وذلك لأن الأمراض الروحانية نوعان: الاعتقادات الباطلة والأخلاق المذمومة".

 

والحضارة الإسلامية ترتكز على هدي القرآن الكريم، ومن ثم كان اهتمام القرآن باعثًا على اهتمام المسلمين بالنفس تهذيبًا وإصلاحًا وعلاجًا، ومن ثم ترافقت العناية بالنفس مع نزول القرآن؛ فالنفس هي محل الشهوات والرغبات، وكان تهذيبها وتنقيتها من أمراضها ضرورة للنهوض الشامل بالإسلام.

 

وقد جاء الاهتمام الغربي بعلم النفس، كحقل علمي مستقل، في نهايات القرن التاسع عشر الميلادي؛ ففي العام 1879م أسس العالم الألماني فيلهلم فونت، أول مختبر لعلم النفس التجريبي في جامعة لايبزيغ بألمانيا، بهدف دراسة الوعي البشري باستخدام المنهج العلمي، مما فصل علم النفس رسميًّا عن الفلسفة.

 

سبق في علم النفس

 

اهتمت الحضارة الإسلامية بالنفس مبكرًا، وبرز عدد من العلماء مثل "ابن سينا" و"الفارابي" و"أبو حامد الغزالي"، و"الماوردي"، كما أبدع المسلمون مؤلفات متنوعة في فهم النفس وعلاجها منها ما هو على أساس طبي، أو فلسفي، أو تربوي، أو صوفي، أو تزكوي.

 

ونشير هنا إلى دراسة قيمة ومرجعية للغاية أحاطت بالموضوع، وهي كتاب من ثلاثة أجزاء صدر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ودار السلام للطباعة والنشر، بعنوان: "علم النفس في التراث الإسلامي"، ويقع في (1448) صفحة، شارك فيه الكثير من العلماء والمتخصصين في التراث وعلم النفس، وتم تتبع أكثر من مائتي كتاب في التراث الإسلامي، سعيًا لكشف ملامح ومفاهيم وموضوعات هذا العلم.

 

هذا الكتاب يلفت الانتباه إلى ضرورة إدراك الفوارق الكبرى بين النموذج المعرفي الإسلامي والنموذج المعرفي الغربي في دراسة النفس، فحتى ولو وجد قدر من التشابه في موضوعات أو مفاهيم، إلا أن الرؤية مختلفة للنفس بين المنظورين اختلافًا كبيرًا.

 

ومن المفاهيم المبكرة التي توصل إليها العلماء المسلمون في علم النفس "نظرية الاشتراط" التي تحدث عنها الفيلسوف الطبيب "ابن سينا" والتي توصل إليها بعد ذلك، عالم الفسيولوجي الروسي الشهير "إيفان بافلوف" الذي حصل على جائزة نوبل في الطب سنة 1904م.

 

ونظرية الاستجابة هي نظرية سلوكية تصف استجابات الكائن الحي نتيجة لمحفزات خارجية، مثل تجربة إعطاء الطعام للحيوان مع إيقاع جرس معين، وهي نظرية تم توظيفها في مجال التعلم وكانت إحدى ركائز المدرسة السلوكية في علم النفس.

 

هذه النظرية الرائدة في علم النفس، قد سبق لها "ابن سينا" المتوفى (427هـ=1037م) قبل ما يقرب من تسعمائة عام، حيث أكد أن أفعال الحيوان والإنسان تقوم على تلك الاستجابات الشرطية المُتعلمة من الخبرات والتجارب.

 

تفسير النسيــــان

 

ومن أمثلة السبق الحضاري الإسلامي في علم النفس، تفسير النسيان، حيث شاع أن النسيان ناتج عن زوال آثار المعلومات بسبب ندرة الاستخدام، حتى جاءت إحدى المدارس الحديثة في مطلع العشرينيات من القرن الماضي وفسرت النسيان بأنه ناتج عن كثر نشاط الإنسان وانشغاله الكبير، فيؤدي ذلك الانشغال إلى تداخل المعلومات وتزاحمها مما يتسبب في النسيان، وأطلقوا على تلك الظاهرة "التداخل الرجعي".

 

ظاهرة "التداخل الرجعي" تحدث عنها كذلك "ابن سينا" في كتابه "الشفا" حيث فسر النسيان على أساس تداخل المعلومات، وقال بوضوح: "وأكثر من يكون حافظًا هو الذي لا تكثر حركاته، ولا تتفنن هممه، ومن كان كثير الحركة لم يذكر شيئًا"، ورأى أن سهولة الحفظ في المراحل المبكرة من العمر وبخاصة في مرحلة الطفولة، راجع إلى تلك الفكرة، وقال: "الصبيان مع رطوبتهم يحفظون جيدًا؛ لأن نفوسهم غير مشغولة بما تشغل نفوس البالغين، فلا تذهل (أي النفس) عما هي مقبلة عليه بغيره".

 

أما "أبو حامد الغزالي" فله مؤلفات عديدة في المجال، وقدم إسهامات رائدة، ومن بين مؤلفاته كتابه الشهير "إحياء علوم الدين" حيث تحدث في الجزء الثالث عن موضوع "رياضة النفوس" وابتكر علاجات نفسية للتخلص من الأخلاق الرديئة ترتكز على فكرة استبدال بها أخلاقًا جيدة وفاضلة، ضمن رؤية علاجية نفسية تستخدم علاج الخلق الرديء بخلق فاضل يضاده، مثل علاج البخل من خلال الحث على الكرم، أو علاج الخوف من خلال اقتحام المخاوف للتخلص من الرهبة، وهي رؤية علاجية يستخدمها بعض المعالجين النفسيين للسلوك.

الاعتناء بالصحة قصة أخلاقية في الحضارة الإسلامية

هل للحضارة الإسلامية عطاء في علم الإدارة؟

آداب السؤال في الحضارة الإسلامية

حقوق الحيوان في الحضارة الإسلامية

هل ساهم المسلمون في علم الصيدلة؟

تقدير الكتاب في التراث الإسلامي

الرابط المختصر :