إسلام الملك أوفا.. هل حقيقة تاريخية؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : تاريخ وحضارة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 933
  • رقم الاستشارة : 3399
26/11/2025

أستاذنا الدكتور مصطفى عاشور، في ضوء ما ورد في بعض الكتابات التاريخية والإسلامية الحديثة حول شخصية الملك أوفا ركس (Offa Rex)، ملك مرسيا في إنجلترا (757–796م)، وما يُقال عن إسلامه وسكّه للعملة التي تحمل الشهادتين، إضافةً إلى علاقاته التجارية مع الدولة العباسية.

أود أن أستشيركم في النقاط التالية: إلى أي مدى يمكن اعتبار قصة إسلام أوفا ركس حقيقة تاريخية موثقة، أم أنها أقرب إلى رواية تفسيرية ذات دلالات رمزية؟ كيف يمكن للباحث أن يوازن بين المصادر الغربية التي غالبًا ما تُغفل هذه الرواية، وبين المصادر الإسلامية التي تؤكدها؟ ما دلالة سكّ العملة التي تحمل الشهادتين في سياق العلاقات بين أوروبا والعالم الإسلامي في القرن الثامن الميلادي؟ هل يمكن أن يُنظر إلى أوفا ركس باعتباره نموذجًا مبكرًا للتأثر بالإسلام في أوروبا قبل الحملات الصليبية، أم أن الأمر لا يتجاوز بعدًا سياسيًا/اقتصاديًا؟

إنني أطرح هذه التساؤلات طلبًا لرؤيتكم الفكرية والمعرفية حول هذه الشخصية التاريخية، وكيف يمكن أن تُقرأ في سياق التفاعل الحضاري بين الإسلام وأوروبا في العصور الوسطى؟

الإجابة 26/11/2025

أخي الكريم، أحييكم على السؤال المتشعب العميق، الذي يحتاج إلى عدة إجابات متتالية لما فيه من طرح لإشكالات متنوعة بعضها يتعلق بصحة الرويات التاريخية التي يوجد بينها تعارضات جوهرية، تجعل القارئ في حيرة لا يستطيع أن يحدد موقفًا واضحًا ومتوازنًا من الحدث التاريخي.

 

ولكن قبل الحديث عن "الملك أوفا ركس" وقضية الاختلاف في إسلامه، أود أن أشير إلى أن الإسلام ذو قوة إقناعية، وقادر على الوصول إلى قلوب وعقول ذوي المُلك والسلطان، سواء بالإيمان والتسليم له، أو حتى بالاقتناع دون إعلان الإسلام نظرًا لأن عشق السلطة والتمسك بها تمكن من قلوبهم.

 

ويأتي في النموذج الأول ملك الحبشة "النجاشي" وقصته معروفة، والثابت في السنة أن النبي ﷺ صلّى على النجاشي صلاة الغائب عندما جاءه خبر وفاته وقال: "قُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمُ النَّجَاشِيِّ"، وهناك نموذج آخر تأثر بالإسلام وهو الإمبراطور الصيني "كونج وو" وهو أول إمبراطور في سلالة أسرة مينج التي حكمت الصين، فهذا الإمبرطور كتب قصيدة طويلة في مدح النبي ﷺ وذلك في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، وكتب رسائل تمدح الإسلام، ويقال إن زوجته كانت من أسرة مسلمة، وهناك أقوال أنه أسلم.

 

أما الإمبرطور البيزنطي الشهير "هرقل" فتشير روايات تاريخية إلى أن النبي ﷺ أرسل إليه رسالة مع الصحابي "دحية الكلبي" في العام السادس من الهجرة، وحسب الرواية، فإن هرقل اعترف بنوبة النبي، وكاد أن يسلم، لولا خوفه من سطوة شعبه، وهناك رواية طويلة ذكرها الإمام البخاري حول تلك القصة، ومما قاله هرقل: "فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه".

 

وقد ذكرتُ هذه الروايات التاريخية لتبيان أن قضية إسلام الملوك والأباطرة من القضايا التي دومًا محل شك تاريخي؛ لأن بعضها يستند إلى الرواية التاريخية من طرف واحد، أما الجانب الآخر فلا تتوافر هذه الرواية عنده، ولا يتعرض لها أبدًا، وإذا كانت حدثت بالفعل فإنه يهملها، وفي الإهمال موت لذلك الحدث التاريخي وتلك الرواية.

 

من هو أوفا؟

 

الملك "أوفا ركس" Offa rex هو ملك حكم إنجلترا (39) عامًا في القرن الثامن الميلادي، في الفترة من (757م حتى 796م) وكان ملكًا حازمًا في تاريخ إنجلترا في تلك الفترة.

 

وبعد قرابة الألف عام من وفاته، وتحديدًا في العام (1841م) عُثر على عملات ذهبية تعود لهذا الملك، وكان منقوشًا على إحداها عبارة "لا إله إلا الله وحده لا شريك له" وعبارة "محمد رسول الله" ثم الآية الكريمة ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، كما سجل تاريخ ضرب تلك العملة بـسبع وخمسين ومائة.

 

وبمراجعة كتاب "عصر أوفا ملك إنجلترا الأنجلو ساكسوني" للدكتور "مصطفى الكناني" أستاذ تاريخ العصور الوسطى بالجامعات المصرية، وهو دراسة تاريخية رصينة تقترب من مائتي صفحة عن الملك "أوفا" وعصره وأهم إنجازته، واستعان فيها بالمراجع الإنجليزية والغربية.. ذكر "الكناني" مقولة لهذا الملك العظيم، حول اهتمامه الكبير بالتجارة، قال فيها: "إن أي ملك يريد أن يرفع مستوى معيشة شعبه لا بد أن يهتم بالتجارة ويشجعها"، ولذا أولى اهتمامًا كبيرًا بالتجارة الخارجية.

 

والثابت تاريخيًّا أن علاقة إنجلترا في ذلك الوقت كانت قوية للغاية مع المسلمين، وهي ملامح أكدها عدد من المؤرخين الغربيين، فنمت تجارة "أوفا" مع المسلمين، بسبب حدوث أزمة مع الملك "شارلمان" ملك الفرنجة آنذاك، بسبب آراء أصدرها "أوفا" ضد الكنيسة ورفض التراجع عنها، فقام "شارلمان" بحرمان كافة التجار الإنجليز من دخول مدن وموانئ مملكته، لكن تمت إعادة العلاقات التجارية بين البلدين لتهديد المقاطعة على مصالحهما المشتركة.

 

هل أسلم أوفــا؟

 

تذكر دراسة "الكناني" أن توسع "أوفا" التجاري اضطره إلى الاهتمام بالعملة المتداولة، فأصدر أوامر بإصدار عملات جديدة، يقول المؤرخ السير "فرانك ميري ستنتون": "إن تاريخ العملات المتداولة في إنجلترا قد بدا في عصر أوفا"، ومن بينها عملة نقشت عليها كلمات إسلامية مكتوبة باللغة العربية، وهذا ما حيّر المؤرخين في "أوفا" حيث غلفت تلك العملة شخصيته بالغموض والتكهنات حول حقيقة دينه.

 

فهناك عملات لـ"أوفا" أحد وجهيها يحمل صورة للصليب، والوجه الآخر صورة لـ"أوفا" وكان ذلك في بداية عصره، لكن عملات أواخر عصره وضعت علامة ليست بصليب، فضلاً عن اختفاء صورة الملك "أوفا"، ولعل هذا ما جعل "الكناني" في دراسته يرجح أن "أوفا" قد أسلم، فقد سك دينارًا ذهبيًّا نُقشت عليه عبارات التوحيد الإسلامية.

 

ويرجح "الكناني" نظرًا لأن الدينار الذهبي لـ"أوفا" كتب بلغة عربية ركيكة، وبها الكثير من الأخطاء، أن هذا الدينار تم سكه في إنجلترا.

 

ويؤكد "الكناني" في صفحة (113) من الكتاب أن كافة المصادر والوثائق المعاصرة والمتأخرة ودوائر المعارف العالمية والمعاجم والمراجع تغاضوا عن الإشارات لتلك العبارات الإسلامية المكتوبة بالعربية على دينار الملك "أوفا" رغم إجادة بعض هؤلاء للغة العربية.

 

ويرجح "الكناني" اعتناق "أوفا" للإسلام ويقول: "الشواهد التاريخية ترجح أن الملك أوفا قد اعتنق الإسلام، وسواء أكان قد اعتنقه وحده أم وهو وأفراد أسرته وكبار رجال حاشيته، فالثابت أن البابوية ورجال الكنيسة الرومانية قد جن جنونهم، وخططوا مع شارلمان للتخلص من أوفا، ولعل ذلك يفسر سبب اختفاء كافة وثائق عصر الملك أوفا دون غيره من ملوك الإنجليز، رغم عظم مكانته باعتراف كافة دوائر المعارف العالمية والمراجع المتخصصة، ولا شك أن ضياعها مرده قيام الكنيسة الإنجليزية بجمع كافة الوثائق والتخلص منها بتحريض من البابوية لطمس معالم تريخ أوفا وجعله نسيًّا منسيًّا".

 

روابط ذات صلة:

حرْص النبي ﷺ على هداية الملوك

الرابط المختصر :