الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : تاريخ وحضارة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
302 - رقم الاستشارة : 3791
09/01/2026
الحضارة الإسلامية كان لها حضور كبير في مجالات متنوعة.. فهل لها حضور في مجال آداب الطعام وإعداده، وإذا كان ذلك فما أهم مؤلفات ذلك المجال؟
أخي الكريم، نعم كان للحضارة الإسلامية عطاء وتجديد في آداب الطعام، وفنون إعداده، وعرف تراثنا كتبًا في علم الطبخ وإعداد الطعام، فقد سيطر مفهوم الطيبات على العقل المسلم في مسألة الطعام، والطيبات له شقان كبيران، أولهما: أن يكون مصدر الطعام من حلال وبطريقة مشروعة لا تخالف الشريعة، وثانيهما: أن يكون الطعام في ذاته طيبًا، فلا يكون محرمًا، أو فاسدًا، أو يتسبب في أمراض، أو يكون طعامًا بلا فائدة.
وقد ترافق مع مفهوم الطيبات في الطعام، جملة من الآداب التي تجعل من تناول الطعام وطريقة إعداده وتقديمه تعبيرًا عن رقي الحضارة الإسلامية، التي يترافق فيها الطيب مع الأدب وحسن المذاق والإعداد، وأن يكون تناول الطعام من وسائل تقوية العلاقات والأواصر الاجتماعية والإنسانية، فليس الطعام لحظات لملء المعدة فقط، ولكن مساحة للتواصل الإنساني والتفاعل الوجداني، والتراحم الاجتماعي.
الحضارة والطعام
أخي الكريم، تعريف الحضارة كان متنوعًا، جمع بين الجوانب المادية والإنسانية، لكن يمكن أن ننظر إلى الحضارة من خلال منظور النفع للإنسان، فكل حضارة أسهمت في زيادة النفع للإنسان وترقيته كانت تلك الحضارة ذات عمق إنساني، حتى وإن لم تكن من الحضارات ذوات البنيان العظيم، ولذا رأينا المؤرخ الكبير الدكتور "حسين مؤنس" في كتابه "الحضارة" يرى أن المعنوي مقدم على المادي كمقياس للتحضر.
أما مقياس النفع كمقياس للتحضر، فهو مقياس جيد، فكلما كانت الحضارة نافعة لأكبر قدر من الناس كانت حضارة ذات بعد إنساني، لأنها ساهمت في إفادة الإنسان ورفع مستوى معيشته وجودة حياته.
ومن أقدم كتب الطبخ التي عرفها الإنسان كتاب "أبيشيوس" أو "فن الطبخ" لـ "ماركوس أبيشيوس" وهو كاتب عاش في القرن الأول الميلادي، وربما هو أول كتاب طبخ في العالم، وتناول فيه مجموعة من الأطعمة المختلفة، وكيفية طبخها، حيث كانت تلك بدايات لتدوين تعامل الإنسان مع النار والسكين لإعداد الطعام.
أما الحضارة الإسلامية، التي شهدت طفرة حضارية في العصر العباسي، وأخذ التأليف يشمل العلوم وأنشطة الحياة المختلفة، فقد كان الطبخ وآداب الطعام عنوانًا جديدًا وجذابًا كمجال للتأليف.
ومن أوائل الكتب التي أُلفت كتاب "الطبيخ" لابن سيار الوراق، وعنوان الكتاب كان يشبه اللافتة لما سيتضمنه، فكان "الطبيخ وإصلاح الأغذية والمأكولات وطيبات الأطعمة المصنوعات مما استخرج من كتب الطب وألفاظ الطهاة وأهل اللب"، وذلك في أوساط القرن العاشر الميلادي، ولا يعرف عن "ابن سيار" أي شيء من سيرته الذاتية أو حتى تاريخ وفاته، وكل ما وصلنا عنه هذا الكتاب الفريد في بابه.
يحتوي الكتاب على أكثر من (600) وصفة لأطعمة كان بعضها يتم إعداده في مطبخ الخلفاء العباسيين، وقسّمها على (132) فصلاً، وفيه وصفات لأطعمة وحلوى وفوائد لأغذية معينة، وأطعمة معينة خاصة بالمرضى، وأورد بعضًا من الآداب المتعلقة بالطعام مثل غسل الأيدي، وتخليل الأسنان وآداب الحديث على الطعام، والنوم والحركة عقب تناول الطعام، كما أورد الأشعار التي قيلت في أطعمة معينة، وذكر طرق إعداد (15) نوعًا من الخبز، بعضها لا يزال مستخدمًا حتى اليوم.
ومن روعة الانفتاح الحضاري الإسلامي أن "ابن سيار الوراق" تحدث عن بعض أطعمة النصاري، وبخاصة أثناء صومهم، وقد حُقق الكتاب بشكل كامل عام 1987م على يد المستشرق الفنلندي "كاي أورنبري" واللبناني "سحبان مروة".
ترتيب المائدة
ونجد –أيضًا- كتاب "الطبيخ ومعجم المآكل الدمشقية" لـ "محمد بن حسن البغدادي" (المتوفى 637هـ= 1239م) وهو من أهم كتب الطبخ في التراث العربي، ألّفه حوالي عام (623هـ=1226م)، ويحتوي على وصفات طبخ عباسية متنوعة مع طرق التحضير، ويعتبر مرجعًا أساسيًّا لتاريخ الطعام والطبخ في العصر العباسي، وتحدث عن الأطعمة المختلفة والحلويات والمخللات، يقول في مقدمة الكتاب: "واللذات كثيرة: الطعام والشراب واللباس والطيب والسماع وغيرها، لكنّ أشرفها وأعلاها مرتبةً على الإطلاق هو الطعام".
أما ترتيب المائدة، وآداب الجلوس عليها، فنجد كتابًا فريدًا بعنوان "آداب المواكلة" لـ "بدر الدين الغَزِّي" (المتوفى 984هـ=1576م)، وهو كتاب طُبع محققًا في (54) صفحة، حيث عدّد العيوب التي يجب تلافيها عند تناول الطعام، وزادت عن ثمانين عيبًا، وقال في مقدمته رسالته: "هذه جملة من العيوب التي من علمها كان خبيرًا بآداب المؤاكلة، وعدتها أحد وثمانون عيبًا"، ومن تلك العيوب، الشخص الذي يحك رأسه قبل تناول الطعام ولا يغسل يده وقال: "ولا يلي غسل اليد إلا الخبز"، أي بعدما يغسل الشخص يده لا بد أن يكون أول شيء يتناول بها هو الطعام.
وعمومًا -أخي الكريم- المجال فيه الكثير من إسهامات الحضارة الإسلامية في آداب الطعام، فقد كانت حضارة نفع للإنسان في كل جوانبها، ترشده إلى الطيبات ظاهرًا وباطنًا.
موضوعات ذات صلة:
هل اهتمت الحضارة الإسلامية بعلم النفس؟
الاعتناء بالصحة قصة أخلاقية في الحضارة الإسلامية
هل للحضارة الإسلامية عطاء في علم الإدارة؟