الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
378 - رقم الاستشارة : 3505
06/12/2025
السلام عليكم دكتورة…
أنا شاب عمري ٢٧ سنة، متخرج من الجامعة قبل سنتين والحمد لله أشتغل بوظيفة زينة ومرموقة، ودخلي يعتبر حلو وميسور. بس في مشكلة صايرة تأثر عليّ هالفترة، وهي إني مهوووس بشكل مو طبيعي بشراء العطور.
يعني دكتورة تخيّلي، أول ما تنزل مجموعة جديدة من العطور العالمية، أول واحد أركض أشتريها! ولو شميت ريحة تعجبني عند أحد، أرد البيت وأطلبها فورًا، وما أفكر أبد إذا أحتاجها أو لأ. صاير الموضوع مثل هَوَس، وصرفت تقريبا أغلب راتبي على العطور، وأجمع ماركات وأسعارها مبالغ فيها.
أبوي كل فترة ينصحني ويقول: "يا ولدي، حافظ على فلوسك، هذولا ترا ما يفيدونك بشي، والصرف الزايد مو زين لك حق مستقبلِك". بس أنا ما أدري ليش ما أقدر أوقف، وأحط منها بعد بكثافة، يعني لازم أشم ريحتي طول اليوم وإلا أتضايق.
أنا بصراحة بدأت أحس إن الموضوع مو طبيعي، وصار يأثر على توفيرِي وعلى خططي المستقبلية. شالسالفة؟ وليش ما أقدر أسيطر على هالهوس؟ شنو تشوفين يا دكتورة؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
يا بُني، أسعدني وعيك واعترافك بالمشكلة، فنقطة البداية دائمًا هي الوعي، كما يقول علماء النفس Awareness is the first step to change. ودعني أوضح لك الأمر من زاوية تربوية – نفسية.
أولًا: طبيعة السلوك الذي وصفته:
إن ما تذكره ينطبق على ما يُسمّى في علم النفس بـ Compulsive Buying Behaviorأي سلوك الشراء القهري، والذي غالبًا يكون مرتبطًا بحاجات داخلية غير مشبعة، مثل: الحاجة إلى الشعور بالتميز، أو رفع تقدير الذات، أو تعويض فراغ عاطفي أو قلق داخلي، أو ارتباط الرائحة بالأمان النفسي Scent-Based Emotional Regulation.
وليس المقصود أنك مريض، بل إن الأمر عادة سلوكية تنشأ وتكبر دون أن ينتبه صاحبها.
ثانيًا: لماذا تشعر بالحاجة إلى وضع العطر بكثافة؟
هذا السلوك يوحي بأن الرائحة عندك مرتبطة بشيء أعمق من "الزينة"، بل بدور نفسي:
- كأنك تشعر بالاطمئنان حين تتأكد أنك "مقبول" أو "مُلاحظ".
- أو أن العطر أصبح هوية تعوّضك عن شعور داخلي بالقلق أو عدم الاكتفاء.
- أو أنه وسيلة لجلب الاعتداد بالنفس.
وقد قال أحد السلف: "النفس لا تترك شيئًا إلا بشيء"، فهي لا تتخلّى عن التصرف إلا إذا وجدت ما يملأ مكانه.
ثالثًا: العلاقة المالية والسلوكية:
إنفاق المال بهذه الصورة يشير إلى ضعف القدرة على تنظيم السلوك وضبط الاندفاعات. والله تعالى أوصانا بالميزان المحكم في الحياة، إذ قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾؛ فالإسراف ليس في الأشياء المحرّمة فقط، بل في كل ما يتجاوز حدّ الاعتدال.
رابعًا: وهنا أوصيك بخطوات عملية للتغيير:
1. تحديد ميزانية ثابتة للهواية..
اجعل للعطور "سقفًا ماليًّا محددًا" شهريًّا لا تتجاوزه مهما حصل. هذا تدريب على Behavioral Discipline أو الانضباط السلوكى.
2. اتبع قاعدة الـ 72 ساعة قبل الشراء..
فقبل شراء أي عطر جديد افعل الآتي: انتظر ٣ أيام. إذا بقيت الرغبة كما هي، فقيّم مدى حاجتك إليه. فهذه الطريقة فعّالة جدًّا في ضبط الاندفاع.
3. استبدال السلوك بسلوك آخر..
أي أن تجعل جزءًا من اهتمامك يتوجه لهوايات أخرى، مثل: رياضة، قراءة، تنمية مالية، تعلم مهارة. "فالنفس لا تترك شيئًا إلا بشيء".
4. قم بتقليل الكثافة في وضع العطر تدريجيًّا..
خفّض عدد الرشات مع الوقت. الهدف تدريب المخ على تقبّل رائحة أخف دون قلق.
5. ضع هدف مالي واضح..
كأن يكون هدفك هو، شراء سيارة، خطبة، بيت... وهكذا؛ حيث إن وجود هدف يفعّل التوجه المستقبلي ويضبط الاستهلاك.
خامسًا: علاقة الأب بالأمر ونصيحته لك:
نصيحة والدك ليست مجرد خوف على المال، بل هي حكمة وخبرة. وقد قال تعالى: ﴿وَاخفض لَّهُمَا جُنَاحً الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. استمع لأبيك، فالأب يرى المستقبل بعينٍ لا يراها الابن.
وأخيرًا، اعلم يا بُني أن حب العطور ليس مشكلة، لكن فقدان السيطرة هو المشكلة.
وما دمت قد أدركت الخلل، فأبشر: القدرة على ضبط النفس مهارة تُكتسب، وليست صفة ثابتة.
همسة أخيرة:
أؤكد لك أن هذا الهوس سينخفض تدريجيًّا إذا نفذت الخطوات السابقة والتزمت بها مدة شهر واحد فقط على الأقل. وستشعر بعدها براحة نفسية ومالية كبيرة، بإذن الله تعالى.
روابط ذات صلة: