أنا والمجاملات العائلية.. مُعقَّد أم صاحب مبدأ؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : العائلة الكبيرة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 378
  • رقم الاستشارة : 2311
07/08/2025

في بعض المناسبات العائلية، تُطلب مني مجاملات لا ترضيني، كأن أُثني على من لا يستحق، أو أُشارك في أمور لا أؤمن بها. وإذا امتنعت، وصمني أهلي بأنني جامد أو معقّد. وإذا شاركت أشعر بأنني مُنافق.

كيف أتصرف حيال هذه المواقف؟ وهل الحق معي أم مع أهلي؟

الإجابة 07/08/2025

أهلاً وسهلاً بك أيها السائل الكريم، وأشكرك على ثقتك الغالية فينا، وأسأل الله –تبارك وتعالى- أن يبارك فيك، وأن يوفقك لكل خير، وأن يفتح عليك فتوح العارفين، وأن يرزقك الحكمة في القول والعمل، وبعد...

 

فإنك –أخي العزيز- تعيش صراعًا داخليًّا بين مرضاة الخالق ومجاملة المخلوق، وبين الحق الذي تعتقده والضغوط الاجتماعية التي تواجهها. وهذا الصراع هو اختبار إيماني عظيم يمر به المؤمن ليظهر صدق إيمانه وثباته على مبادئه وقيمه.

 

بين المجاملة والمداهنة

 

أخي الفاضل، إن الإسلام دين المحبة والصلة، وقد حثنا على المجاملة والإحسان إلى الأهل والأقارب، ولكن هناك فارقًا كبيرًا بين المجاملة المحمودة والمداهنة المذمومة.

 

فالمجاملة المحمودة هي إظهار الود والمحبة للآخرين بالقول والفعل الحسن، دون الوقوع في محرم، أو التنازل عن مبدأ. كأن تقول كلمة طيبة، أو تشارك في فرح، أو تعزي في حزن، أو تقدم مساعدة، وكل ذلك في حدود ما يرضي الله. هذه المجاملة تقوي الروابط وتُعظم الأجر.

 

أما المداهنة المذمومة فهي أن تتنازل عن مبادئك الدينية أو الأخلاقية لتُرضي الآخرين، وأن توافق على ما لا يرضاه الله، أو تُثني على باطل، أو تسكت عن منكر خشية اللوم أو الرغبة في كسب رضاهم. وهذا ما نهى عنه القرآن الكريم إشارةً في قوله تعالى: ﴿ودّوا لو تُدهن فيُدهنون﴾ [القلم: 9].

 

أيها الحبيب، أنت لست جامدًا ولا معقدًا أبدًا؛ بل أنت صاحب مبدأ، وهذا من فضل الله عليك، ونعمة عظيمة رزقك الله بها ووفقك إليها. وقد بشرك النبي ﷺ وأمثالك بقوله: «منِ التمسَ رضا اللَّهِ بسَخطِ النَّاسِ كفاهُ اللَّهُ مؤنةَ النَّاسِ، ومنِ التمسَ رضا النَّاسِ بسخطِ اللَّهِ وَكلَهُ اللَّهُ إلى النَّاسِ» [رواه الترمذي].

 

أما عن سؤالك حول كيفية التصرف حيال هذه المواقف، فأنصحك بالتالي، وبالله التوفيق:

 

1- التفكير والتمييز قبل الرفض:

 

أخي الحبيب، إن أول خطوة نحو التعامل الصحيح مع هذه المواقف هي أن تُفكر مليًّا فيما يُطلب منك. لا تُصدر حكمًا سريعًا بالرفض؛ بل اسأل نفسك: هل هذا الأمر حرام قطعًا؟ أم هو مباح ولكنه لا يوافق طبعك؟

 

فما كان حرامًا قطعًا، كالثناء على شخص بما فيه من فسق، أو المشاركة في أمر فيه معصية ظاهرة، فهذا لا يجوز فيه التنازل أبدًا. هنا يكون موقفك ثابتًا وقويًّا، قال رسول الله ﷺ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» [رواه الحاكم والطبراني].

 

وما كان مباحًا شرعًا؛ لكنه لا يوافق طبعك أو لا تميل إليه نفسك، كأن يطلب منك أهلك مشاركتهم في مناسبة مباحة لا تشعر بالارتياح فيها، أو أن تقول كلمة لا تروق لك شخصيًّا ولكنها ليست محرمة. في هذه الحالة، يجب أن تكون أكثر مرونة، وأن تُقدِّم إرضاء الأهل على ميولك الشخصية ما دمت لم تقع في محرم. فإن النفس قد تنفر من بعض المباحات، ولكن الشرع قد وسّع علينا فيها. هنا لا تُعدّ منافقًا إن شاركت، بل تُعدّ محسنًا ومتقربًا لأهلك، وهذا من باب «المجاملة المحمودة»، وتؤجر عليها إن كانت نيتك البر بأهلك والإحسان إليهم.

 

2- الثبات على المبدأ مع لين الأسلوب:

 

وذلك يكون من طريق:

 

- الرفض بأسلوب لطيف: عندما يُطلب منك شيء لا ترضاه لأنه محرم، لا ترفض بحدة أو بجفاء؛ بل ارفض بلين وأدب. يمكنك أن تقول: "أحبكم في الله، وأقدِّر جَمعتكم، ولكن هذا الأمر لا أستطيع فعله؛ لأني أخشى الله فيه."

 

- التبرير الهادئ: قدِّم لهم تبريرًا هادئًا دون أن تُشعرهم بالاتهام والنقد؛ بل بيّن لهم أنك تفعل ذلك لمرضاة الله. يمكن أن تقول: "أنا لا أحب أن أُثني على أحد بما ليس فيه؛ لأن هذا من الغش، وقد قال النبي ﷺ: «من غش فليس مني» [رواه مسلم].

 

- التعويض بالخير: إن لم تشارك في أمر لا ترضاه، فعوضهم بأمر آخر تحبه ويرضى الله عنه؛ كأن تبتسم في وجوههم، أو تهتم بأحوالهم، أو تقدم لهم مساعدة في أمور أخرى.

 

3- الحكمة في التغيير:

 

بدلًا من المشاركة في أمر لا ترضاه، حاول أن تقدم لهم بديلًا شرعيًّا مقبولًا. فإذا كانوا يطلبون منك الثناء على من لا يستحق، فيمكن أن تُثني على أمر آخر فيه يستحق الثناء، أو تُظهر لهم محبتك واحترامك دون أن تقع في الكذب.

 

ولا تتوقع أن يتغير الجميع بمجرد كلمة منك، فالأمر يحتاج إلى جهاد ومثابرة وصبر، يقول الله -عز وجل- على لسان لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنكَرِ واصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: 17]. فابدأ بنصح من تثق أنه سيستجيب لك، وادعُ الله لهم بالهداية.

 

4- التوكل على الله والاستعانة به:

 

استعن بالله تعالى، وأكثر من الدعاء بأن يثبِّت قلبك على الحق، وأن يرزقك الحكمة في التعامل مع أهلك. واعلم أنك في اختبار، وأن الصبر على الحق هو علامة صدق الإيمان، مستبشرًا بأن الله سيكافؤك على صبرك وثباتك، قال تعالى: ﴿إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].

 

أما عن سؤالك: «هل الحق معي أم مع أهلي؟»، فيقينًا –أخي الحبيب- الحق معك ولا شك، في كل ما يخص المعاصي والمحرمات. الحق في أن تثبت على مبادئك، وأن ترفض ما لا يرضي الله. أما ما كان من المباحات التي لا تروق لك، فالحق في أن تجاهد نفسك لترضي أهلك؛ لأن هذا من الإحسان ومن الأجر العظيم.

 

أهلك قد يلومونك من باب العاطفة أو العادة، وقد لا يدركون عمق موقفك، ولكن هذا لا يجعل موقفهم صحيحًا في حالة المعصية. إن بر الوالدين وصلة الرحم لا يعنيان طاعتهم في معصية الله، بل يعنيان الإحسان إليهم بالقول والفعل، والتلطف معهم، والدعاء لهم، ولكن دون أن تتنازل عن ثوابتك. وقد قال -عز وجل- في شأن الوالدين: ﴿وإن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15].

 

وختامًا -أخي الكريم- فإن ثباتك على الحق هو عز لك في الدنيا والآخرة، فلا تخف من لوم اللائمين، وثق بالله، وتوكل عليه، واعلم أنك على خير ما دمت تحرص على مرضاة الله وابتغاء وجهه الكريم. نسأل الله أن يرزقك القوة والثبات والحكمة.

الرابط المختصر :