أين تعتد الأرملة؟ وهل قائمة المنقولات جزء من الميراث؟

Consultation Image

الإستشارة 04/08/2026

تزوجت فتاة في بيت عائلة حيت كانت تعيش هي وزوجها مع وأبيه وأمه، وبعد عام توفي زوجها،

فهل قائمة المنقولات كلها لها أم الذي اشترته فقط؟

وبالنسبة للعدة هل تعتد في بيت زوجها مع عائلته أم في بيت أبيها؟

الإجابة 04/08/2026

الحمد لله، وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة، وعظّم الله أجركِ، وأحسن عزاءكِ، وجبر مصابكِ في وفاة زوجكِ، ورحم الله الفقيد بواسع رحمته.

 

الشريعة الإسلامية المطهرة جاءت بكفالة الحقوق وإقامتها على العدل والقسط، فلم تدع بابًا من أبواب المعاملات أو أحكام الأسرة إلا وضعت له ضوابط تحفظ لكل ذي حق حقه.

 

اختصارًا:

 

أولاً: قائمة المنقولات الزوجية

 

كامل المنقولات المدونة في القائمة تعتبر ملكًا خالصًا للزوجة سواء ما اشترته هي من مالها أو ما اشتراه الزوج وسجّله في القائمة باسمها، وتُستخرج كافة الأشياء المدونة فيها من بيت الزوجية وتُسلّم للزوجة قبل تقسيم التركة؛ لأنها تُعدّ ـ شرعًا وعُرفًا ـ دَينًا في ذمة الزوج وإقرارًا منه بملكيتها لها، ولا تدخل ضمن التركة التي تُوزع على الورثة. أما ما اشتراه الزوج من ماله ولم يُدوّن في القائمة إطلاقًا، فهو فقط الذي يُعد من تركة المتوفى.

 

ثانيًا: السكنى أثناء العدة:

 

الأصل الشرعي أن تعتد المتوفى عنها زوجها في البيت الذي كانت تسكنه مع زوجها وقت وفاته حتى تنتهي عدتها وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، إلا إذا كان بقاؤها في بيت عائلة الزوج يسبب لها حرجًا، أو مشقة بالغة، أو أذى نفسيًّا، أو عدم توفر مكان يحفظها من الاختلاط، كوجود أقارب للزوج من غير المحارم، فيجوز لها شرعًا الانتقال للاعتداد في بيت أهلها ولا إثم عليها في ذلك.

 

وتفصيلاً:

 

المسألة الأولى: ملكية قائمة المنقولات الزوجية

 

اتفق الفقهاء على أن إقرار المرء على نفسه نافذ ولا ينقطع بوفاته، وأن ما يُجَهّز به البيت لصالح الزوجة يُعد ملكًا لها.

 

ورد في المغني لابن قدامة: «وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ بِمَتَاعِ الْبَيْتِ فَالْإِقْرَارُ مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّ الإِقْرَارَ عَلَى النَّفْسِ مَقْبُولٌ» (المغني لابن قدامة، دار عالم الكتب، الجزء 14، الصفحة 286).

 

وفي كتاب روضة الطالبين للإمام النووي: «إِذَا سَلَّمَ إِلَيْهَا الصَّدَاقَ ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ فَالْمَالُ لَهَا، وَلا سَبِيلَ لِلْوَرَّاثِ عَلَيْهِ» (روضة الطالبين وعمدة المفتين للإمام النووي، المكتب الإسلامي، الجزء 7، الصفحة 367).

 

وفي الموسوعة الفقهية الكويتية: «مَا يَشْتَرِيهِ الزَّوْجُ لِلزَّوْجَةِ أَوْ يُقِرُّ بِهِ لَهَا فِي جَهَازِهَا فَهُوَ مِلْكٌ خَالِصٌ لَهَا، وَيَأْخُذُ حُكْمَ الدَّيْنِ الَّذِي يُسْتَوْفَى مِنَ التَّرِكَةِ قَبْلَ قِسْمَتِهَا» (الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - الكويت، الجزء 16، الصفحة 272).

 

رأي العلماء المعاصرون ودور الإفتاء في قائمة المنقولات:

 

جاء في فتوى دار الإفتاء المصرية الفتوى رقم 3557: «قائمة المنقولات الزوجية هي إقرار كتابي من الزوج باستلام أعيان لحساب الزوجة، فتكون ملكًا خالصًا للزوجة، وتأخذ حكم الدين في الذمة أو الوديعة، فتُستوفى من تركة الزوج كحق مقدم على تقسيم التركة بين الورثة، سواء ما اشترته الزوجة بمالها أو ما اشتراه الزوج وجعله ضمن القائمة مهرًا أو هبة».

 

وأكد مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف: أن قائمة المنقولات تُعامل معاملة الديون والمستحقات المكتوبة، والعرف الجاري يقتضي أنها حق خالص للزوجة تستوفيه كاملاً بعد وفاة الزوج.

 

المسألة الثانية: مكان اعتداد المتوفى عنها زوجها

 

ذهب جمهور العلماء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن الأصل وجوب لزوم المتوفى عنها زوجها البيت الذي تلقت فيه خبر الوفاة أو كانت تسكنه مع زوجها، استدلالاً بحديث فريعة بنت مالك رضي الله عنها أن النبي قال لها حين توفي زوجها: «اعْتَدِّي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» رواه أبو داود برقم 2300، والترمذي برقم 1204 وصححه.

 

قال الإمام الكاساني الحنفي في بدائع الصنائع 3/ 205: «وعلى المتوفى عنها زوجها أن تعتد في البيت الذي كانت تسكنه حال وفاة الزوج ولا تخرج منه إلا لعذر».

 

جواز الانتقال لبيت الأهل عند وجود المشقة والعذر:

 

اتفق العلماء قديمًا وحديثًا على أنه إذا وجد عذر شرعي أو مشقة أو خوف، سقط وجوب لزوم بيت الزوجية وجاز الانتقال إلى بيت أبيها.

 

قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في المغني 8/ 127: «فإن خافت تحولاً، أو خروجًا بكره، أو كان الدار بعارية فاسترجعها صاحبها، أو خشيت على نفسها أو مالها، فلها أن تتحول حيث شاءت... لأن السكنى في بيت الزوجية واجبة مع الإمكان، فتسقط عند العجز والحرج».

 

وقال الإمام ابن عبد البر المالكي في الاستذكار 6/ 181: «أجمع العلماء على أن المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها، إلا أن تخاف على نفسها أو مالها، أو يلحقها أذى لا تُطيقه فتنقل إلى غيره».

 

فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله مجموع الفتاوى 22/ 194: «الأصل أن تعتد المتوفى عنها زوجها في البيت الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه، لكن إذا كان يلحقها أذى أو مشقة أو ليس لها فيه سكن مستقل وآمن مع أهل زوجها، فلا حرج عليها أن تنتقل إلى بيت أهلها كعذر شرعي وتكمل بقية عدتها فيه».

 

فتوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله فتاوى نور على الدرب: «إذا كان في بقائها في بيت أهل الزوج حرج أو ضيق أو خلطة محرمة بإخوة الزوج أو نزاع يؤذيها، جاز لها الانتقال إلى بيت أبيها للاعتداد فيه ولا إثم عليها».

 

القواعد الفقهية الحاكمة في قائمة المنقولات:

 

قاعدة: «الإقرار حجة قاطعة على المقر وعلى ورثته»

 

توقيع الزوج على قائمة المنقولات الزوجية يُعدّ إقرارًا منه بملكيتها للزوجة، فيلزم الورثة تنفيذ هذا الإقرار، وتُستبعد المنقولات المدونة فيها من التركة لتُسلّم كاملاً للزوجة.

 

قاعدة: «الدين مقدم على حق الورثة في التركة»

 

مستحقات الزوجة المكتوبة في القائمة تُعدّ دَينًا وأمانة في ذمة الزوج، والديون تُقضى وتُستوفى من التركة قبل توزيع أي جزء منها على الورثة، لقوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11].

 

قاعدة: «العادة محكّمة» المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا

 

جرى العرف المستقر في المجتمع على أن "قائمة المنقولات" هي وثيقة حفظ لحق الزوجة ومهرها وليست مجرد عارية، والعرف المعمول به شرعًا يعطيها السند القانوني والشرعي لتملك كافة الأعيان المذكورة فيها.

 

قاعدة: «المشقة تجلب التيسير»

 

السكن في بيت الزوجية أثناء العدة واجب مع الاستطاعة، لكن إذا اقترن ببقائها في بيت عائلة الزوج مشقة بالغة أو أذى نفسي أو عدم توفر بيئة آمنة ومستقلة، سقط الوجوب ويجوز لها الانتقال إلى بيت أبيها تيسيرًا عليها. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

خروج المعتدة من وفاة.. ضوابطه وأحكامه

عدة المرأة بين الحكم الفقهي والحكمة من تشريعها

لا يريد كتابة قائمة.. هل ينجح هذا الزواج؟

الرابط المختصر :