الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
21 - رقم الاستشارة : 5440
28/07/2026
أمتلك محلاً تجارياً، وقمت ببيعه بالتقسيط لشخص، واشترطت عليه في العقد أنه في حال تأخره عن سداد قسطين متتاليين، تصبح بقية الأقساط المؤجلة كلها "حالة الأداء" فوراً ويسقط حقه في التأجيل؛ فهل هذا الشرط الجزائي بتعجيل الأقساط عند المماطلة جائز شرعاً؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله
ورعاك، أن عقود البيع بالتقسيط قامت في أساسها على التيسير على المشتري بتأجيل
الثمن، مقابل مصلحة البائع في ترويج سلعته واستيفاء حقّه مقسطًا.
اختصارا: الشرط
جائز شرعًا وصحيح ويجب الوفاء به، بشرطين أساسيين:
ـ أن يكون التخلف عن السداد عن مماطلة وتسويف ممن هو
قادر على السداد.
ـ ألا تتضمن عملية التعجيل أي زيادة مالية على الثمن
الإجمالي المتفق عليه في العقد.
أما إذا ثبت أن المشتري معسر إعسارًا حقيقيًّا بسبب
جائحة، أو خسارة قاهرة خارجة عن إرادته، فلا يجوز شرعًا تطبيق هذا الشرط لتضييق
الخناق عليه؛ بل ينقلب الواجب الشرعي على البائع إلى إمهاله، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ
كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
وقبل الدخول في تفاصيل الفتوى قد تثور شبهة فيقول قائل
«كيف لمن عجز عن دفع قسط شهري واحد أن يستطيع دفع كامل باقي الأقساط دفعة واحدة؟»
لكن من الناحية العملية، هذا الشرط لا يفترض معجزة مالية
تجعل المشتري العاجز يخرج المال من العدم، وإنما الهدف منه تحقيق حماية قانونية
ومالية للبائع تتمثل في الآتي:
التمييز بين المماطل المقتدر والمعسر الحقيقي:
في سوق المعاملات المالية، ليس كل من يتوقف عن السداد هو
شخص "عاجز عن الدفع"، بل هناك كثير من "المماطلين" ممن يملكون
المال أو الأصول ولكنهم يسوّفون في التسديد استغلالاً لمهلة التأجيل. الشرط هنا
يمثل أداة ضغط تمنع المشتري المقتدر من الاستهانة بأقساط البائع.
التحول القانوني من "الدين المؤجل" إلى
"الدين الواجب الأداء فورًا":
عندما يتعثر المشتري في قسطين متتاليين، يدرك البائع أن
المخاطرة المالية أصبحت عالية جدًّا. الشرط يمنح البائع الحق القانوني والشرعي في
ألا ينتظر سنوات طويلة حتى تحين مواعيد الأقساط القادمة ليطالب بحقه، بل يحول
الدين كاملاً إلى دين حالّ يتيح له البدء فورًا في إجراءات التنفيذ القانونية
المختلفة.
حماية الحقوق من الضياع والتصرف:
إذا ظهرت علامات التوقف عن السداد لدى المشتري، فإن بقاء
الأقساط مؤجلة لا يمنعه من التصرف في بقية أمواله أو تهريب أصوله قبل حلول آجالها.
أما تحويل الأقساط إلى "حالة الأداء" فيتيح للبائع حجز ما يمكن حجزه
لضمان حقوقه بالتساوي مع بقية الدائنين قبل أن تستغرق الديون الأخرى ذمة المشتري.
وتفصيلاً: فقد ناقش الفقهاء القدامى مسألة "سقوط الأجل بالشرط أو
بتأخر الدفع" ضمن أحكام الشروط التي تحفظ حقوق المتعاقدين شرط التوثقة
والمصلحة:
والأصل في الشروط المقتضية لمصلحة العقد الصحة والإباحة.
واستقر الفقه على أن الأجل حق للمدين يرتفع بشرطه إذا أخلّ بالشرط الملتزم به، لأن
الأجل إنما جُعل مرفقًا وتيسيرًا للملتزم بالوفاء، فإذا أخل بالمواعيد سقط حقه في
هذا التيسير.
وقد حسمت المجامع الفقهية المعاصرة هذه المسألة بدقة نظرًا
لكثرة تعاملات بيع التقسيط في العصر الحديث:
قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون
الإسلامي:
جاء في قراره رقم 64 2/7 بشأن بيع التقسيط: «يجوز أن
يشترط البائع حلول الأقساط المتبقية عند تأخر المشتري عن سداد بعضها في المواعيد
المتفق عليها، إذا كان المشتري قد وافق على هذا الشرط عند التعاقد، وكان التأخير
بغير عذر مشروع أي مماطلة... وأما إذا كان المشتري معسرًا فلا يجوز تطبيق هذا
الشرط عليه، ويجب إمهاله لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ
إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾».
المعايير الشرعية لـ AAOIFI - هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية:
جاء في المعيار الشرعي رقم 20 - البيع الآجل البند 5/2:
«يجوز النص في العقد على حلول جميع الأقساط قبل مواعيدها عند امتناع المدين عن
سداد أي قسط دون عذر مقبول، بشرط ألا يعجل حلول الأقساط في حالة الإعسار الشرعي
للمدين».
فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة
العربية السعودية:
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة جـ 13 / صـ 218: «إذا اشترط
البائع على المشتري أنه إذا تأخر عن أداء قسط من الأقساط في وقته المحدّد حلّت
عليه بقية الأقساط، فهذا الشرط صحيح ولا بأس به؛ لأنه من الشروط التي فيها مصلحة
للعاقد ولا تخالف مقتضى العقد، لقوله ﷺ: المسلمون على شروطهم».
القواعد الفقهية الحاكمة في اشتراط دفع
المشتري الأقساط كلها إذا تأخر عن السداد
قاعدة: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا
حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا»
تستند إلى الحديث النبوي الشريف رواه الترمذي وقال حسن
صحيح، وتدل على أن الشرط الصريح الذي وافق عليه الطرفان في عقد بيع المحل هو شرط
ملزم تجب مراعاته ما دام لا يحل ربً اولا يظلم.
قاعدة: «الأَصْلُ فِي الشُّرُوطِ فِي العُقُودِ
الإِبَاحَةُ وَالصِّحَّةُ»
ما لم يقم دليل من الشرع على تحريم شرط معين، فالأصل في
شروط المعاملات المالية والجنائية الوقائية الجواز والنفاد.
قاعدة: «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ»
يحمي هذا الشرط البائع من ضرر مماطلة المشتري وتأخير
أمواله، وفي الوقت نفسه تمنع القاعدة إرهاق المعسر الحقيقي بأكثر من وسعه احترامًا
للنصوص الشرعية.
قاعدة: «الإِعْسَارُ يُوجِبُ النَّظِرَةَ التَّأْجِيلَ»
قاعدة مأخوذة من صريح القرآن الكريم؛ تثبت أن حق تعجيل
الأقساط يسقط فور ثبوت إعسار المشتري بحكم الشرع أو العرف، ويتحول إلى وجوب
الإمهال حتى يسر الله عليه. والله تعالى أعلى
وأعلم.
روابط
ذات صلة:
احتفاظ البائع بحق الملكية ضمانا للسداد هل يبطل العقد؟