الزواج والحرية.. تساؤلات حائرة

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
  • القسم : استشارات أخرى
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 289
  • رقم الاستشارة : 3658
24/12/2025

لا أتقبل فكرة الزواج من شخص يأخذ حريتي، أنا فتاة لا أستطيع تقبل فكرة أني أتزوج واحد يأمرني، عندي رعب من هذه الفكره، بس المشكلة إن ديني عنده طاعة الزوج واجب.

صرت أكره الزواج وودي أجد أي وظيفه عشان أشتغل وما أحتاج لشخص يصرف علي بس منطقتنا صعب بنت تحصل على وظيفة.

تعبت أحس أني ما في قرار غير أني أتزوج، وأنا لا أريد أصير تحت إمرة أحد لأني أحب الحرية وأحب أن يكون لي رأي وقرار.

الإجابة 24/12/2025

ابنتي الكريمة، أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.

 

لديك -يا ابنتي- مجموعة من المشكلات المعرفية نتج عنها مجموعة من الأفكار الخاطئة والمشوشة، فلديك مشكلات في فكرة الحرية وفكرة المسئولية وفكرة الحرية المالية، بل لديك إشكالات في فهم فلسفة الزواج، وأيضًا إشكالات في فهمك لدينك وخاصة ما يتعلق بقضية القوامة وطاعة الزوجة لزوجها، فدعيني أشرح لك باختصار شديد وتبسيط هذه الإشكالات المعرفية حتى تستطيعي اتخاذ قراراتك بشكل واضح.. حتى مشاعرك سوف تتغير إذا تغيرت أفكارك ورؤيتك للأمور.

 

الدين وطاعة الزوج

 

أخطر ما طرحته -يا ابنتي- هو حديثك عن الإسلام بطريقة تستبطن حديث أعدائه من المستشرقين والعلمانيين عنه كدين يظلم المرأة ويقلل من إنسانيتها ويجعلها تابعًا للرجل يجب عليها طاعته وهي الصورة التي تزعجك، ولكنك لا تجدين بديلاً عنها لأنك غير قادرة على العمل والكسب.

 

الإسلام -يا ابنتي- لا يفرق بين الذكر والأنثى من حيث الثواب والعقاب والجزاء الأخروي والحياة الطيبة في الدنيا، فهذه الأمور فيها مساواة مطلقة جاءت بها نصوص صريحة ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، وكل ما جاء في القرآن بعد قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا فالمقصود به الرجال والنساء جميعًا إلا لو دلت قرينة ما أن الخطاب موجه لجنس واحد من الجنسين...

 

لقد سألت النساء النبي بشكل صريح عن ذلك ونزلت آيات تُتلى تجيبهن عن تساؤلاتهن ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾...

 

السؤال ليس ممنوعًا مهما كان خطيرًا.. الإجابات واضحة.. الكرامة الإنسانية متحققة، هذه بعض ملامح التعامل مع النساء على عهد النبي ﷺ وفي كل عصر يسعى للالتزام بالدين، بل يمكننا اعتبار منح النساء حقوقهن الشرعية أحد المعايير التي نحاكم بها مجتمعًا ما أو فترة تاريخية ما في مدى قربها أو ابتعادها عن الدين.. لذلك -يا فتاتي- أرجوك أرجوك لا تخلطي بين الدين وبين بعض العادات والتقاليد ذات المسحة الدينية.

 

تسألينني ألم يأمر الدين بطاعة الزوجة لزوجها؟ أقول لك نعم -يا ابنتي- ولكن لا يمكن الحديث عن تشريع واحد، وبتره من حزمة التشريعات التي تناقش القضية الواحدة خطأ معرفي قاتل.

 

* طاعة الزوجة لزوجها واجبة في حدود ألا تتجاوز هذه الطاعة حدود ما أنزل الله.

 

* طاعة الزوجة لزوجها لا تعني الانتقاص من حقوقها أو تحميلها واجبات لا تخصها.

 

* طاعة الزوجة لزوجها في المعروف وبالمعروف ووفقًا لقاعدة لا ضرر ولا ضرار.

 

* طاعة الزوجة لزوجها جزء من حقوقه التي يقابلها مسئوليات له وفقًا لقاعدة ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

 

الحرية المالية

 

الإسلام منح المرأة الحق في العمل والحق في الكسب والحق في الميراث وهو حق صاف ليست مطالبة بالإنفاق منه، وأعطاها الحق في المهر حتى يمنحها مزيد من الحرية المالية، وكان النبي ﷺ يمنح زوجاته مهرًا تجب فيه الزكاة، وبالطبع يجب على الزوج أن ينفق على زوجته مثل ما ينفق على نفسه وبحسب حالته يسرًا أو عسرًا ..

 

الإسلام لا يجبرك على الزواج طالما لا ترغبين، ويمكنك أن تبقي في بيت عائلتك، وواجب ولي أمرك أن ينفق عليك، ويحق لك البحث عن عمل وتنفقين على نفسك..

 

كونك لا تجدين عملاً وتفكرين في الزواج كي تجدي من ينفق عليك هي فكرة تبتسر الزواج في بعد مادي واحد فقط، لكن السؤال هذا الرجل الذي سينفق عليك لماذا سينفق عليك؟ ما هو المقابل الذي سيعود إليه؟ ما هو العائد الذي يستفيد منه؟ سيكوّن أسرة وتكون له زوجة أليس كذلك؟ ألا تعتقدين أنه من باب العدالة مقابل ما يبذله وينفقه أن تكون هذه المرأة مريحة لا تجادله في كل صغيرة وكبيرة.. مطيعة له بالمعروف؟ أو كما قال الله تعالى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.

 

الطاعة والشورى

 

لكن هل يعني أن تكون المرأة مريحة لا تكثر من الجدل أن تكون بلا رأي وبلا شخصية وألا يكون لرأيها قيمة؟ بالطبع هذا فهم مغلوط لموضوع الطاعة، فالطاعة لا تتعارض مع الشوري، فمن سمات الجماعة المؤمنة أنها تحترم مختلف الآراء وتناقشها ثم تختار الأفضل ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ لا يختلف في هذا المحيط العام عن المحيط الخاص، وفي صلح الحديبية نموذج شديد النصاعة يوضح أثر الشورى، فبينما كادت أن تحدث فتنة في صفوف الجماعة المؤمنة كان للسيدة أم سلمة زوجة النبي ﷺ وسلم رأي لم تتردد في إخبار النبي ﷺ به وهو أيضًا ﷺ لم يتردد في الأخذ به وتنفيذه، والنتيجة أن رأي امرأة وشورى امرأة كان لها الفضل في نجاة الجماعة المؤمنة كلها.

 

الرجل القوي والرجل الذكي والرجل الحكيم لا يجد غضاضة في الشورى ويمارسها ويستفيد من نتائجها، بينما الرجل الضعيف والفاقد الثقة هو من يخشى الشورى ويخشى رأي المرأة.. لذلك -يا ابنتي- أنا أرى أن مشكلتك ليست في فكرة الطاعة وإنما في طبيعة الرجل الذي تنتوين الاتباط به، هل هو واثق من نفسه لديه القدرة على الاستماع للطرف الآخر والتشاور معه أم أنه لديه ضعفًا في ثقته بذاته وبالتالي يتعامل بالصوت المرتفع والتشويش حتى يمنح نفسه صلابة وهمية؟

 

نصيحتي لك -يا ابنتي- أن تقرئي جيدًا عن حقوق وواجبات المرأة في الإسلام حتى يحدث لك لون من الاستقامة المعرفية، ثم تتوكلي على الله وتدعيه أن يرزقك زوجًا هينًا لينًا كريمًا رصينًا يمتلك القدرة على الحوار والنقاش ويؤمن بالشورى في الحياة الزوجية...

 

ولا أنصحك بالتعجل في الزواج حتى تجلسي مع الخاطب مرة واثنتين وترتاحي له ولطريقته في التفكير والحكم على الأمور، ولا تتزوجي -يا ابنتي- إلا عندما تفهمين فلسفة الزواج في الإسلام بصورة شمولية.

 

وإياك وأن تتزوجي مضطرة عن غير اقتناع فقط حتى تجدي من ينفق عليك لأن العاقبة لن تكون جيدة؛ لأن التخبط في قرار مهم ومصيري مثل الزواج يسبب أضرارًا فادحة على نفسيتك، وقد ينتهي بطريقة مؤسفة، وقد يكون هناك ضحايا من الأطفال الأبرياء.

 

لذلك فكري جيدًا قبل أي خطوة تخطينها، ونحن معك اكتبي لنا مرة أخرى إذا كان هناك ما يثير شكك، ودعينا نتناقش حتى تصلي لنتائج تطمئن قلبك.. أسعد الله قلبك واصلح حالك ورزقك زوجا صالحا عاقلا يمنحك الأمان والسلام.

 

روابط ذات صلة:

كيف أثرت النسوية في فكرة الزواج عند المرأة؟

القوامة هل هي أداة لسحق المرأة؟

قوامة الرجل على المرأة.. حكمها وحقيقتها

الرابط المختصر :