الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
22 - رقم الاستشارة : 6212
25/10/2026
أنا أم لشاب عمره 20 عامًا، اخترنا له تخصصًا جامعيًّا بعد تفكير طويل، ودفعنا مصاريف كثيرة، وهو الآن في السنة الثانية ويقول إنه لا يريد الاستمرار. يقول إنه اكتشف أن المجال لا يناسبه، لكنه لا يعرف أيضًا ماذا يريد بدلا منه.
أنا غاضبة؛ لأنني أشعر أنه يريد الهروب من المسؤولية بعد أن تحملنا الكثير من أجله، ماذا نفعل؟ وكيف أفرق بين قرار ناضج وبين مجرد ملل؟
عزيزتي
الأم الغاضبة، هذه من المواقف التي تحتاج إلى الهدوء؛ لأن غضب الأم مفهوم جدًّا،
لكن القرار المهني لشاب في العشرين ينبغي ألّا يتحول إلى معركة بين "ما
دفعناه" و"ما أريده".
وفي
الوقت نفسه، لا يعني احترام رغبته أن نوافق فورًا على ترك التخصص.
المطلوب
هو تقييم القرار..
اجلسوا
معه واسألوه: ما الذي جعلك تعتقد أن التخصص لا يناسبك؟ هل المشكلة في المواد؟ طبيعة
المهنة؟ الجامعة؟ ضغط الدراسة؟ تجربة معينة؟ أم أنك تتخيل أن أي مجال آخر سيكون
أسهل؟ أم أنك وجدت أن سوق العمل سيتطلب مجالاً وتخصصًا آخر؟
هذه
الأسئلة تفرق بين عدم التوافق الحقيقي وبين التجنب.
إذا
كان يكره طبيعة المجال نفسها، ولديه أسباب واضحة وتجربة كافية، فهذا يختلف عن طالب
واجه أول مادة صعبة فقرر الهروب.
اطلبوا
منه ألا يكتفي بعبارة "مش بحب التخصص"، بل يقدم تصورًا أوليًّا للبدائل:
ماذا يريد أن يدرس؟ لماذا؟ ما متطلبات المجال؟ ما فرص التعلم والعمل؟ ما الذي
سيخسره وما الذي سيكسبه؟
هذه
ليست محاكمة، وإنما تدريب على Career Decision-Making اتخاذ
القرار المهني.
وفي
المقابل، لا تستخدموا المال الذي دفعتموه كسلاح عاطفي: "إحنا دفعنا عليك
كذا!"؛ لأن المال أصبح قد مضى، وينبغي ألّا يتحول إلى قيد نفسي يجبر الإنسان
على الاستمرار في طريق غير مناسب.
لكن
من حق الأسرة أيضًا أن تقول: "سنساعدك في إعادة الاختيار، لكن نريد منك أن
تتحمل جزءًا من المسؤولية." وهنا تظهر المسؤولية
المشتركة.
وقد
يكون الحل هو التحويل إلى تخصص قريب، أو إكمال مرحلة معينة قبل الانتقال، أو أخذ
فترة قصيرة لاستكشاف البدائل وفق نظام الجامعة، وليس بالضرورة ترك الدراسة بالكامل.
المهم
أن يكون هناك Plan B أو خطة بديلة واضحة، لا مجرد هروب من
الخطة الحالية.
وينبغي
ألّا تقول الأم: "أنا أعرف مصلحتك أكثر منك." كما ينبغي ألّا يقول
الابن: "هذه حياتي وأنا حر" وينهي الحوار.
النضج
الحقيقي هو أن يجتمع حقه في اختيار مستقبله مع واجبه في التفكير الجاد في تبعات
اختياره.
حيث
تؤكد مقاربات التربية الدافئة الحازمة أهمية الجمع بين الاستجابة والدفء والتوقعات
والمسؤولية؛ أي أن نسمع الشاب ونحترم استقلاله، مع عدم إعفائه من التفكير وتحمل
النتائج.
حيث
قال الله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}، وللشورى هنا معنى تربوي مهم:
لا نفرض القرار فرضا، ولا نترك الإنسان بلا توجيه.
كما
أن قوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ} يربط الاختيار
بالعمل والمسؤولية، لا بمجرد الرغبة.
ومن
المفيد أن تقول الأم لابنها: "أنا مستعدة أسمعك وأساعدك في دراسة البدائل،
لكن لن أتخذ القرار بدلاً منك".
هذه
الجملة تمنحه Autonomy Support أو دعم الاستقلالية، وتبقي في الوقت نفسه
باب التوجيه مفتوحًا.
أما
إذا كان يريد ترك الدراسة كلها لأنه يشعر بعجز عام أو فقدان دافعية شديد، فهنا
سنحتاج عن طريق جلسة مع متخصص إلى معرفة هل المشكلة أكاديمية فقط أم أن هناك ضغطًا
نفسيًّا أوسع.
همسة
أخيرة:
ليس
كل تغيير في الطريق فشلاً، كما أن الاستمرار في طريق غير مناسب ليس دائمًا دليلاً
على قوة الإرادة؛ النضج أن نتوقف، نفهم، نراجع، ثم نختار بعد حساب حقيقي لا بعد
انفعال عابر.
روابط
ذات صلة:
كيف يختار الطالب التخصص المناسب في ظل الذكاء الاصطناعي؟!
كيف أساعد ابني في اختيار تخصصه؟!