الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : استشارات أخرى
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
275 - رقم الاستشارة : 3611
18/12/2025
السلام عليكم ورحمة الله، أنا سيدة في الخامسة والأربعين أحفظ القرآن كاملا وأطلب العلم الشرعي.. أنا مطلقة ولدي أولاد وبنات في سن الشباب واحصل على معاش والدي بعد الطلاق من والد أبنائي الذي كان عاملاً ريفيًّا بسيطًا.
تعرفت على رجل في الأربعين هو شيخ وعالم وحاصل على ماجستير في الفقه الشافعي من خلال أكاديمية كان يدرس لنا فيها أون لاين، وبعد مرور سنة من التعارف طلب مني أن أتزوجه، وهذا كان أكبر من أحلامي، وكان وسبق أن حلمت أنه يطلب مني هذا الطلب فشعرت إنها إشارة ولم أتردد في الموافقة.
قال لي إنه على الرغم أنه شافعي المذهب فإنه يجوز الخروج من المذهب لمصلحة أو ضرورة وأنه سيتزوج بي بناء على المذهب الحنفي .. مهر وشاهدي عدل وهو ما كان.. سافرت له في محافظته وأحضر هو الشاهدين وكتبنا ورقة واحدة كانت معه وقال لي إن هذا أضمن لي من أجل أولادي وإلا فلاحاجة لهذه الورقة أصلا..
أنا لا أعرف الشهود فهم من طرفه ولا أظن أنه أوصاهم بالكتمان، لكن أنا بعد ما حدث أنا على يقين أنهم كان يفهمون ضمنيًّا ألا يتحدثوا أو أن يتحدثوا فقط وسط دائرة صغيرة من أصدقائهم المشتركين.. لم يكن هناك ولي ولا أحد من أهلي يعلم ولا أولادي بالطبع.
أعطاني مهرًا ألف جنيه .. قلت له يشتري لي خاتم فضة اعتذر بأنه مشغول وطلب مني أن اشتري أنا ما يحلو لي بهذا المال.. تزوجنا في بيت والدته التي كانت في عمرة وقتها.. ومرات كنت أذهب له في شقة زوجته عندما كانت غاضبة عند أهلها، وفي النهاية طلب مني أن استأجر شقة في محافظته مساعدة مني وألمح أن ظروفه المادية لا تسمح بذلك وكنت أنتوي فعل ذلك بالفعل لأني كنت أعشقه وكنت منبهرة به.
وعلى الرغم من أنه منعني من التعليق على صفحته أو الإعجاب بمنشوراته فإن زوجته فتشت هاتفه (عرفت أنه تزوج عليها عدة مرات بنفس طريقتي لذلك هي تشك فيه) ووجدت رسالة بيننا نسى هو أن يمسحها.. أي أنها عرفت بناء على خطأه هو وليس خطأي فأرسلت رسالة كلها سباب لي ووصفتني بأقذر الأوصاف الممكنة..
اتصلت عليه كي ينصفني ويأخذ لي حقي فكان كل تركيزه كيف عرفت زوجته وأغلق معي وقال إنه سيحل الأمر وألا أتصل أنا ثانية وهو من سيتصل .. انتظرته شهرين كاملين دون جدوى ولما اتصلت به أخيرا قال لي إن الموضوع انتهى عند آخر اتصال بيننا وإنه طلقني.. هكذا بكل ببساطة وعندما ارتفع صوتي غاضبا.. قال لي إنه يحبها وهي أم أولاده وإنني كان يجب أن أكون أكثر حرصًا وإننا لم نرتكب محرما تزوجنا شرعيًّا وتطلقنا شرعيًّا وإنه سيبقى شيخي فينبغي ألا أتجاوز معه في الحديث وأغلق الهاتف..
المهم هو لم يعد يرد علي فأرسلت له رسالة أنني لم اسمع كلمة الطلاق فأرسل لي أنا طلقتك وكي تتأكدي كتب لي أنت طالق في رسالة ثم قام بحظري.. أنا محترقة القلب ونادمة وأشعر أنني قللت من نفسي جدا وأتساءل كثيرا هل كان زواجي شرعيا وهل طلاقي كتابة شرعيا...
أنا لم أذنب أنا أخذت بفتواه فالذنب ذنبه وحده أليس كذلك؟ أيضا أنا كنت تطلقت من زوجي السابق والد أولادي 3 مرات، فهل هكذا أستطيع أن أعود إليه وهل سيتقبل ما حدث إن أخبرته به؟ هل يجوز ألا أخبره وأشككه في إحدى الطلقات المعلقة، وأقول له إنني لم أوقعها كبديل لإخباره بزواجي من هذا الشيخ؟ أنا حائرة جدا أتمنى مساعدتي، وجزاكم الله خيرًا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة في موقعك البوابة الإلكترونية للاستشارات.
أحزنتني استشارتك جدًّا وآلمت قلبي وأعدت قراءتها أكثر من مرة.
بالنسبة لصحة زواجك وصحة طلاقك وجواز عودتك لزوجك الأول بعد الطلقات الثلاث فهذا يفتيك فيه الدكتور المستشار الشرعي للموقع إن شاء الله تعالى، وأيضًا يفتيك في فكرة تشكيك الزوج في الطلقة المعلقة وهل ارتكبت ذنبًا أم لا وغير ذلك من أمور فقهية.
* وسؤالي أنا الشخصي لمستشارنا الشرعي هل لو كان هذا الرجل يضمر نية الطلاق عندما تعلم زوجته فهل هذا يعد صورة من صور زواج المتعة المحددة الوقت؟
لكن بعيدًا عن هذا كله فأنت بالفعل قللت من نفسك بطريقة صادمة وآذيت نفسك بشدة وأنت بحاجة لترميم نفسي قبل أن تفكري في زواج جديد أو العودة لزوجك والد أبنائك.
سيناريو متخيل
أختي الكريمة، تخيلي لو توفاك الله عز وجل وأنت على فراش هذا الرجل كيف سيكون رد فعل عائلتك وأولادك.. هل كانوا سيذكرونك بالرحمة؟ هل تخيلت شعور الشباب منهم عندما يعلمون أين كانت أمهم؟ هل تخيلت شعور بناتك اللاتي هن في سن الزواج؟ أي عائلة كانت ستقبل بنسبهن؟
تخيلي العكس أن هذا الرجل هو من توفاه الله ماذا كنت ستفعلين؟ هل كنت سترتدين ملابسك وتنصرفين ولا تلتفتين؟ أم كنت ستخبرين أهله وبما كنت ستخبرينهم بصفتك؟
تخيلي جارة لزوجة هذا الرجل شاهدتك وأنت واقفة أمام باب شقة زوجته وهي تعلم أنها ليست فيها فصرخت عليك وأهانتك واتهمتك بكل الاتهامات القذرة!
هل تخيلت نظرة البواب لك وهو يراك تترددين على هذا المبنى الذي يعرف سكانه جيدًا؟
فلماذا يا أختي؟ لماذا فعلت بنفسك هذا؟
كيف كنت تكذبين وتبررين لأولادك غيابك الساعات الطوال وأنت تسافرين من محافظة لمحافظة؟
بل ما كان شعورك وأنت التي تسافرين له لتقضي بضع ساعات مختلسة في شقة والدته تارة وفي شقة زوجته تارة أخرى؟
كيف كنت ستبحثين عن شقة في محافظته وتستأجريها بأموالك حتى يلتقي معك فيها؟ إنه حتى لم يتنازل ويتعب نفسه ويسافر لأجلك.. ولم يطلب شقة في محافظتك!
يا أختي، إنه لم يرغب أن يبذل جهدًا ويشتري لك خاتم الفضة الذي تمنيت.. لم يطلب أن يلتقيك كي يعتذر لك قبل أن يطلقك.. لم يرفع سماعة الهاتف ويقول لك أنت طالق.. تركك شهرين في انتظار أن يصلح الوضع ويكلمك وإذا به وقد طلقك من وقتها.. لم تكن قيمتك عنده أكثر من رسالة على شات يقول لك فيها أنت طالق!
أختي الكريمة، لا أقصد أن أؤذيك بكلماتي ولا أسعى أن تجلدي نفسك جراء ما فعلت، ولكن أريدك أن تواجهي الحقيقة كاملة فالمسألة تتجاوز رأيًّا فقهيًّا أخذت به.. وهل لك ذنب أم أن الذنب كله يتحمله هذا الرجل.. لقد أذنبت في حق انسانيتك.. أذنبت في حق أنوثتك لقد قللت من نفسك إلى الحد الأدنى الممكن.. امتهنت كرامتك بما قمت به، فلماذا حدث هذا؟ هذا ما أريدك أن تفكري فيه حتى لا يتكرر هذا السيناريو المخيف، فها أنت ما زلت جريحة وتفكرين في العودة لزوجك الأول بعد اختلاق كذبة جديدة، فهل هذا ما تريدينه لنفسك حقيقة؟
التقدير الذاتي
أختي الغالية، أنت تعانين بشدة من نقص التقدير الذاتي ولولا ذلك لما اقترفت هذه السلوكيات.. كان زوجك السابق عاملاً ريفيًّا بسيطًا لا يملك العلم الشرعي ولعله كان يؤذيك ويتعامل معك بسجيته الساذجة.. ربما لم يكن يهتم بمظهره ولا انتقاء كلماته وكنت تعيشين معه على مستوى منخفض.. كانت بينكم الكثير من المشكلات التي نتج عنها ثلاث طلقات.. أنت لم تحكي الكثير عنه، لكن أتخيل أن حياتك معه لم تكن كافية أو مشبعة أو مريحة ولكنها أثمرت أولادًا وبنات وصلوا سن الشباب وهذا يعني أنك تزوجته وأنت ما زلت صغيرة السن...
خرجت من هذا الزواج متألمة جريحة وهذا أمر معتاد وبدأت تبحثين عن نفسك خاصة وقد حصلت على معاش والدك واستقرت أحوالك المالية.. وجدت نفسك في حفظ القرآن وتلقي العلوم الشرعية وبدأت حياتك تأخذ منحى أعلى وأرقى لكنك من داخلك مهزوزة تشعرين بضعف التقدير الذاتي، سواء كان هذا بسبب علاقتك بزوجك الأول أو بسبب مشكلات نفسية داخلية عالقة.
لذلك انبهرت بهذا الرجل، فلم تكوني تتصورين أن رجلاً مثله حاصلاً على درجة الماجستير في الفقه ويقال له يا دكتور ويقدم الدروس في الأكاديمية التي التحقت بها ينظر لك ويهتم بك.. رجلاً لا زال في الأربعين بينما أنت أكبر منه بخمس سنوات ولديك أولاد وبنات بلغن سن الزواج هذا دغدغ مشاعرك الأنثوية التي داس عليها زوجك السابق الرجل البسيط الذي ربما كان يسخر منك ويذكرك بسنك بطريقة تقلل منك.
أنت التي تعانين من ضعف التقدير الذاتي عندما وجدت هذا الدكتور يلتفت لك ويختارك تصورت أن هذا فوق طاقة أحلامك التي حلمت به ذات يوم!.. أن يهتم بك كإنسانة وأن يهتم بك كأنثى جعلك تعيشين في غيمة وردية كنت مغيبة فيها تمامًا فوافقته على كل ما قال ولم تلتفتي لكل الإهانات الضمنية التي وجهها لك في هذا الزواج السري الذي تحملت أنت فيه كل شيء، بينما كان بالنسبة له مجرد مغامرة جديدة فهو معتاد على زواج قصير بين الحين والآخر، لذلك تفتش زوجته هاتفه باستمرار!
العورات النفسية
أختي الكريمة، أريد أن أقول لك إن الشيوخ وطلبة العلم بشر ورجال ينبغي ألا تتعاملي معهم كأشخاص مقدسين هناك قواعد لتعامل الرجال مع النساء جاء بها التشريع الإسلامي عليك الالتزام بها مع الجميع، فليست المسألة منحصرة في غض البصر فقط.. العورة ليست في الجسد فحسب وإنما هناك عورات نفسية عندما نبوح بها نكون مكشوفين للآخرين معرضين للاستغلال...
هذا الرجل لم يكن ليعرض عليك ما عرضه إلا عندما علم عنك ما أغراه لاستغلالك.. رأى ضعف تقديرك لذاتك.. رأى امرأة جريحة غير واثقة في نفسها.. بل رأى انبهارك به ورغبتك في الاقتراب من عالمه وعلم يقينًا أنك ستستجيبين لما يقوله له وستسيرين وراءه كالمغيبة أو المسحورة.. كان قادرًا أن يقوم بعملية غسل دماغ كاملة لك دون أن تعترضي لسبب بسيط هو أنه علم مفاتحك جيدًا وعلم نقاط ضعفك وكشف عوراتك النفسية كلها.
فتنبهي حتى لا يتكرر ما حدث؛ لأن هذه ليست طيبة وليست سذاجة وإنما هي تجاوز شرعي قبل أي شيء، فكان من الممكن أن تجدي بين النساء من تسمعك وتهتم لأمرك وتنصحك وتساعدك على لملمة جروحك، لكنك ألقيت بذلك كله بين يدي هذا الرجل فلم يتورع عن إيذائك، ولا أستطيع تحميله المسئولية كاملة فلولا تساهلك وكشفك لهذه العورات النفسية ما استطاع فعل ذلك بك.
كيف تعيشين من جديد؟
أختي الكريمة، أنت بحاجة ماسة أن تلحقي بركب الحياة من جديد فأنت عشت فترة مظلمة وقاسية كأن روحك كانت مسربلة داخل سجن بارد له قضبان عالية، وآن لك أن تعيشي من جديد، ولا حياة حقيقية إلا بالاستجابة الحقيقية لا الشكلية لأوامر الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}.. أنت تحفظين كتاب الله عز وجل لكنك بحاجة لتدبره حتى تعودي للحياة من جديد أو كما قال قتادة عن هذه الآية: هو هذا القرآن، فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة..
انظري لهذه الكلمات كأنها موجهة لك شخصيًّا.. حياة أنت بحاجة لها في ظلاله.. ثقة أنت تفتقدينها في حياتك السابقة كلها ولن تسترديها إلا بتدبر معانيه وخطابه واعتبارها رسائلك الخاصة، وعصمة في الدنيا والآخرة أنت في أمس الحاجة إليها بعد ما كان، فلا تتكاسلي ولا تتباعدي ولا تكتفي بحفظ الحروف وإلا {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} يقول مجاهد عن هذه الآية: إذا حال بينك وبين قلبك، كيف تعمل.
وكثير من المفسرين أن عدم الاستجابة يؤدي أن يحول بين الإنسان وبين عقله، وأنت إن نظرت بمنظور العقل لما قمت به ستجدين أن عقلك كان غائبًا تمامًا عن هذه المعادلة.
غاليتي، أنا لن أقول لك اذهبي لمعالجة نفسية حتى تسعي لشفاء جروحك الغائرة، ولكن أنا أدعوك للاعتصام بكتاب الله وتدبر آياته ففيها الشفاء وفيها الحياة.
وإليك –أختي- رد الدكتور رجب أبو مليح المستشار الشرعي لموقع الاستشارات:
أختي الكريمة، هذه إجابة كافية وافية ليتك تعكفين عليها وتعيدين قراءتها مرات كثيرة بحيث تكون لك عونًا على تقييم وتقويم الماضي والانطلاق إلى المستقبل حتى لا يتكرر الجرح، والخطأ.
أما من الناحية الشرعية، فيقول النبي المعصوم ﷺ (البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، وبالتالي لا يحق لك – وأنت طالبة للعلم الشرعي – أن تلقي باللوم كله عليه، أنت مسئولة أيضًا كما هو مسئول، ولو كنت على صواب لأطلعت أهلك أو أبناءك على هذا الزواج.
والعقد وإن كان صحيحًا عند بعض الفقهاء الذين أجازوا للمرأة الثيب الزواج دون ولي، لكنهم لم يجيزوا زواج السر، بل أوجبوا الإشهار حتى لا يضيع حق الولي في الاعتراض على زواج المرأة بغير كفء لها، فهذا الرجل الذي يتدثر بلباس العلماء جمع بين أخطاء كثيرة في هذا العقد، وهو إما أن يكون جاهلاً -وهو مستبعد- أو متلاعبًا بالشرع مستحلاً للأعراض بغير حق، ومن هذه الأخطاء:
أولاً: إضمار نية الطلاق كما تفضلت بذلك -الدكتورة المستشارة- وإن كان لا يبطل العقد ولا يجعله زواج متعة لكن يجعله أشد حرمة من زواج المتعة، وبذلك صرح بعض العلماء الثقات.
ثانيًا: عدم التوثيق، وفي ذلك ضياع لكل الحقوق المتبادلة بين الزوجين.
ثالثًا: الكتمان، وهو جريمة تضاف إلى الجرائم السابقة.
رابعًا: المهر، والمرأة التي بنى بها زوجها لا بد أن يكون لها مهر المثل حتى لو لم يُسمِّ لها مهرا...
لا نستطيع أن نجزم أن هذا الذي حدث بينكما زنى يوجب الحد، حيث إن الحدود تدرأ بالشبهات، لكن لا شك أن فيه مخالفات كثيرة ما كان ينبغي لك أن تضعي نفسك فيها.
أما قبول زوجك الأول بهذا أو عدم قبوله فهذا يرجع له، وعليك أن تكون صريحة معه دون الدخول في التفاصيل، قولي له إنك تزوجت زواجًا غير موثق وطلقت منه، ولعل عامل البناء البسيط -إن كان يعرف قدرك ويحترمك- أفضل ممن يحمل الشهادات العليا ويتلاعب بك وبالشرع. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
الزواج بين الماضي والحاضر.. تحولات وتجاوزات وغرائب
الزواج في واقع العالم الإسلامي.. بين العُرف والشرع