الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
65 - رقم الاستشارة : 6150
21/10/2026
عائلة لديها مريض يعاني من اكتئاب حاد يمنعه من العمل وممارسة الحياة الطبيعية، وتكلفة الجلسات النفسية والأدوية الحديثة باهظة جداً. هل يجوز شرعاً دفع أموال الزكاة لتغطية تكاليف العلاج النفسي لهذا الشخص باعتباره من "الفقراء والمساكين" أو من باب التداوي الضروري، أم أن الزكاة تقتصر على الأمراض العضوية الجسدية فقط؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، الشريعة
الإسلامية جاءت شاملة لرعاية الإنسان في بدنه وروحه وعقله، واعتبرت حفظ
"النفس" وحفظ "العقل" من الضروريات الخمس الكبرى التي تُبنى
عليها أحكام الدين. ولم تفرّق الشريعة الغرّاء بين ألم الجسد وألم النفس؛ فكلاهما
مرض يقعد الإنسان عن عمارة الأرض وأداء التكاليف. والاكتئاب الحاد، متى ما شخّصه
الأطباء المختصون، هو مرض حقيقي شديد الوطأة، وعلاجه من الحاجات الأصلية التي لا
تستقيم حياة الإنسان إلا بها، وليس من قبيل الترف أو الكماليات.
اختصارًا:
يجوز
شرعًا دفع أموال الزكاة لتغطية تكاليف العلاج النفسي من جلسات وأدوية، ويُعطى من
سهم "الفقراء والمساكين". ولا تقتصر الزكاة على علاج الأمراض العضوية
فقط، بل تشمل الأمراض النفسية والعقلية؛ لأن مناط استحقاق الزكاة هو "العجز
عن تلبية الحاجات الأساسية"، والعلاج والدواء من أهم هذه الحاجات، وبما أن
المريض عاجز عن العمل بسبب مرضه، وتكلفة العلاج باهظة تفوق قدرته المالية، فهو
فقير مستحق للزكاة يُدفع له منها ما يكفيه لمؤونة تداويه حتى يبرأ.
وتفصيلاً:
أولاً:
مشروعية التداوي للأمراض النفسية وعدم التفريق بينها وبين العضوية:
أمر
النبي ﷺ بالتداوي وأطلق
اللفظ عامًّا ليشمل كل داء، نفسيًّا كان أو جسديًّا؛ فقد أخرج الإمام أبو داود
والترمذي في سننهما عن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: قالت الأعراب: يا رسول
الله، ألا نتداوى؟ قال: «نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ
لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، إِلَّا دَاءً وَاحِدًا» قَالُوا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُوَ؟ قَالَ: «الْهَرَمُ»، فالاكتئاب داء، وله دواء،
والسعي في تحصيله طاعة.
ثانيًا:
إدراج تكاليف العلاج ضمن "حد الكفاية" للفقير:
الفقير
والمسكين في الفقه الإسلامي هو من لا يجد ما يكفيه لحاجاته الأساسية، وقد نص
الفقهاء المتقدمون على أن الحاجات لا تقتصر على الطعام والشراب، بل تشمل كل ما
تدعو إليه الضرورة والعادة.
قال
الإمام النووي رحمه الله في المجموع شرح المهذب في تحديد ما يُعطاه الفقير من
الزكاة: "وَيُعْتَبَرُ فِي كِفَايَتِهِ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ مِنْ
الْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمَسْكَنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا بُدَّ لَهُ
مِنْهُ عَلَى الْعَادَةِ... لَهُ وَلِمَنْ يُمَوِّنُهُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ
وَلَا تَقْتِيرٍ".
وقد
اتفق علماء العصر على أن "نفقات العلاج والدواء" تدخل دخولاً أوليًّا في
قوله وغير ذلك مما لا بد له منه؛ لأن حفظ الصحة مقدم على كثير من المطاعم
والملابس.
ثالثًا:
الاكتئاب المانع من العمل يُصيّر صاحبه فقيرًا مستحقًا:
من
شروط إعطاء القادر على العمل من الزكاة ألا يجد عملاً، أو يمنعه مانع صحي منه.
وهذا المريض المذكور قد أقعده الاكتئاب عن الكسب، فاجتمع عليه فقر المال وفقر
القدرة.
قال
الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله في المغني: "فَإِنْ كَانَ قَوِيًّا عَلَى
الِاكْتِسَابِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِدُ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ، أَوْ لَا يَجِدُ
عَمَلًا يَلِيقُ بِهِ، أَوْ لَيْسَ لَهُ رَأْسُ مَالٍ يَتَّجِرُ بِهِ إذَا كَانَ
ذَا حِرْفَةٍ، فَهُوَ فَقِيرٌ، يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ".. فكيف
بمن سُلِب القدرة النفسية والعضلية على العمل تمامًا؟ فهو أولى بالاستحقاق.
رابعًا:
مكانة حفظ العقل والنفس في مقاصد الشريعة:
المرض
النفسي الشديد يهدد العقل بالإتلاف، وربما يهدد النفس بالهلاك، ودفع أموال الزكاة
هنا يحقق أعلى مقاصد الشريعة.
قال
الإمام الشاطبي رحمه الله في الموافقات: "فقد اتفقت الأمة بل سائر الملل على
أن الشريعة وُضعت للمحافظة على الضروريات الخمس وهي: الدين، والنفس، والنسل،
والمال، والعقل". وعلاج مريض الاكتئاب هو حفظ لضرورتي النفس والعقل معًا.
القواعد
الفقهية الحاكمة في إعطاء الزكاة لتغطية تكاليف العلاج النفسي:
"الضَّرَرُ
يُزَالُ": والاكتئاب الحاد ضرر محقق واقع على المريض وعلى
أسرته، وإزالته بتوفير ثمن العلاج من الزكاة واجبة لرفع هذا الضرر.
"الْحَاجَةُ
تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ، عَامَّةً كَانَتْ أَوْ خَاصَّةً": والعلاج
النفسي للمريض المكتئب حاجة ماسة تنزل منزلة الضرورة التي تبيح صرف الزكاة لتغطية
هذه التكاليف الباهظة التي يعجز عنها.
"الْحُكْمُ
يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا": علة إعطاء
الزكاة للمريض هي الحاجة، والعجز عن توفير الكفاية. وهذه العلة متحققة تمامًا في
المريض النفسي كتحققها في المريض العضوي، فمتى وُجدت الحاجة وعجز الدخل عن تغطية
نفقة العلاج، استحق المريض الزكاة بغض النظر عن نوع المرض. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
سهم "ابن السبيل" هل يصرف منه على اللاجئين والمطاردين؟