الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
22 - رقم الاستشارة : 6146
19/10/2026
فتاة مهووسة بما يُسمى "الموضة السريعة"، تشتري كميات هائلة من الملابس القطنية الرخيصة عبر المتاجر الإلكترونية، وتتخلص منها بعد لبسة واحدة أو اثنتين لمواكبة التحديثات اليومية. هل يدخل هذا الفعل تحت طائلة "التبذير المنهي عنه" شرعاً رغم رخص ثمن السلع؟ وما حكم الشراء من علامات تجارية ثبت يقيناً استخدامها لعمالة قسرية في جني محصول القطن؟
الحمد
لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً
وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحقيق مصالح العباد
ودرء المفاسد عنهم، وأسست نظامًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا يقوم على التوازن
والاعتدال، وحفظ الحقوق، وصيانة الأموال من العبث. وما يُعرف اليوم بـ
"الموضة السريعة" يطرح إشكاليات شرعية وأخلاقية عميقة، تتعلق بسلوك
المستهلك من جهة الإسراف وإضاعة المال، وبسلوك المنتِج من جهة أخرى الظلم واستغلال
العمالة.
اختصارًا:
لإعطاء
حكم واضح نحتاج إلى تفاصيل، عن حال هذه الفتاة ومدى يسرها؛ لأن الأمور نسبية، وعلى
أية حال رمي هذه الملابس وهي لا تزال صالحة للاستخدام إهدار للموارد لا يليق
بالمسلم، فإن كانت على سبيل المثال تشتري الغيار الداخلي الرخيص بدولار عوضًا عن
ذي الجودة العالية بـ 50 دولارًا وتستخدم هذا مرة وهذا 50 مرة، فالتكلفة واحدة،
ولكن ما دام صالحًا للاستخدام فلتتبرع به لمن يستخدمه.
ونعم،
يُعدّ شراء الملابس بكثرة والتخلص منها وهي لا تزال صالحة للاستعمال بعد لبسة أو
لبستين لمجرد مواكبة الموضة من "التبذير والإسراف المحرّم" ومن
"إضاعة المال" المنهي عنها شرعًا، ولا يشفع في ذلك رخص ثمنها؛ لأن
العبرة بتضييع المنفعة وإهلاك الموارد بلا حاجة معتبرة.
ويَحْرُم
الشراء من العلامات التجارية التي يثبت يقينًا استخدامها للعمالة القسرية في جني
القطن أو صناعة الملابس؛ لأن في ذلك دعمًا وتمويلاً للظلم، وإعانةً على الإثم
والعدوان.
وتفصيلاً:
أولاً:
التخلص من الملابس الصالحة للاستعمال تبذير وإضاعة للمال:
التبذير
في الشريعة ليس مرتبطًا فقط بغلاء السلعة، بل بوضع المال في غير حقه، أو إتلاف ما
فيه منفعة. والتخلص من ملابس صالحة للاستخدام لمجرد انتهاء "الموضة"
يجمع بين ثلاث منهيات شرعية:
الإسراف
والتبذير: قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:
27]، وقال جل شأنه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].
إضاعة
المال: روى البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن الله كره
لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». ورمي الملابس الصالحة هو
إتلاف للمال بلا منفعة.
كفران
النعمة والخيلاء: يقول النبي ﷺ: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا بلا
إسراف، أو مخيلة» رواه ابن ماجه. والمخيلة هنا تظهر في الأنفة من لبس الثوب أكثر
من مرة.
أقوال
العلماء: يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «التبذير إنفاق المال في غير حقه، ولا تبذير في
عمل الخير». ويقول الإمام ابن عابدين الحنفي في حاشيته: «الإسراف صرف الشيء فيما
ينبغي زائدًا على ما ينبغي». والتخلص من الثوب الصالح زائدٌ عن الحاجة وإهلاك
للمقدرات.
ثانيًا:
حكم الشراء من شركات تستخدم العمالة القسرية المسخرة:
العمالة
القسرية هي صورة من صور الاستعباد المعاصر والظلم الذي حرمه الله تحريمًا قاطعًا.
فإذا ثبت يقينًا وليس بمجرد شائعات أو دعاية بناء على تنافس تجاري أن شركة ما
تستعبد العمال أو تبخس حقوقهم قسرًا، فحكم التعامل معها المنع والتحريم للأدلة
الآتية:
النهي
عن الإعانة على الظلم: قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ
وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. وشراء منتجات
هذه الشركات هو ضخ للأموال في خزينتها وتشجيع لها على الاستمرار في هذا الظلم.
وعيد
الله لمن يظلم الأُجَراء: في الحديث القدسي الذي رواه البخاري، قال النبي ﷺ: «قال
الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة... ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم
يعطه أجره». والعمالة القسرية هي أشد درجات استيفاء الجهد مع منع الأجر.
وقد
نصّ الفقهاء قديمًا وحديثًا على تحريم بيع العنب لمن يعصره خمرًا، والسلاح في وقت
الفتنة؛ والجامع بينها هو "المنع من تمويل المعصية أو الإعانة عليها".
وبناءً عليه، أفتى علماء العصر بوجوب مقاطعة الكيانات التي تمارس الظلم والعدوان
إذا كان في المقاطعة ردعٌ لهم، وكان للمسلمين بديل عن منتجاتهم، وهو متحقق تمامًا
في قطاع الملابس.
القواعد
الفقهية الحاكمة في مسايرة صيحات "الموضة السريعة" وضوابط جوازها:
قاعدة
الإعانة على المعصية معصية: الشراء من شركات السخرة إعانة مادية مباشرة على
استعباد البشر والظلم.
قاعدة
لا ضرر ولا ضرار: وتندرج تحتها مآسي "الموضة السريعة"، سواء الضرر
الواقع على العمالة المستعبدة، أو الضرر البيئي الهائل الناتج عن مخلفات مصانع
الملابس الرخيصة وتكدسها في مكبات النفايات العالمية، فالإضرار بالبيئة والناس
ممنوع شرعًا.
قاعدة
الضرر يُزال: ويُزال هذا الضرر بمقاطعة هذه الشركات وتوعية المستهلكين بالابتعاد
عنها.
قاعدة
درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: مفسدة إضاعة المال ودعم شركات ظالمة، مُقَدَّمة
على مصلحة التأنق الزائف والتزين المبالغ فيه بأثواب رخيصة. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: