الداعية بين منبر الدعوة وحضن الأسرة

Consultation Image

الإستشارة 05/09/2025

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أعمل داعية إلى الله سبحانه وتعالى، وتتعدد أمامي الأعباء والأعمال والمشاريع الدعوية، ومع انشغالي أشعر أنني قصّرت بعض الشيء في حق أبنائي، من حيث الجلوس معهم، ومتابعتهم عن قرب، رغم أنهم – ولله الحمد – يصلون ويحافظون على قراءة القرآن وحفظه، ويجتهدون في دراستهم. لكن يظل في داخلي إحساس بالتقصير، وأتساءل: كيف أحقق التوازن بين مهام الدعوة ومسؤولياتي نحو بيتي وأولادي؟ وهل هناك خطوات عملية أو جدول يساعدني على تنظيم وقتي بين الدعوة والأسرة؟

الإجابة 05/09/2025

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً ومرحبًا بك أيها الأخ المبارك على صفحات موقعنا، ونسأل الله أن يبارك فيك وفي دعوتك، وأن يجعل أبناءك قرة عين لك في الدنيا والآخرة، وأن يعينك على أداء حقوق الله وحقوق العباد على الوجه الذي يرضيه، واسمح لي أن نتوقف قليلا عند بعض النقاط المهمة، وذلك على النّحو التالي:

 

فقه الأولويات في حياة الداعية

 

من أهم القواعد الشرعية أن الداعية يبدأ بمن يعول، فقد قال النبي ﷺ: (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت)، بل جعل النبي ﷺ تربية الأهل ورعايتهم من أفضل القربات، فقال: (أفضل الدينار دينار ينفقه الرجل على عياله)، وكذا أفضل الوقت يُنفق، إنما يكون مع الأولاد والأهل، واعلم بأن الدعوة الحقيقية تبدأ من البيت، كما بدأ النبي ﷺ بدعوة أهله الأقربين، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214].

 

التوازن بين الدعوة وتربية الأبناء

 

فالتوازن ليس معناه تقسيم الوقت بالتساوي، وإنما إعطاء كل جانب حقه في الوقت المناسب له، مع استحضار النية الصالحة في كل عمل، فحين تجلس مع أولادك لتعلمهم القرآن أو تتابع دروسهم أو تحاورهم، فأنت في عبادة لا تقل أجرًا عن الخطابة أو تدريس العلم، لأنك تبني لبنة صالحة في المجتمع.

 

خطوات عملية لتحقيق التوازن

 

1. جدولة الوقت بوعي: خصِّص أوقاتًا ثابتة أسبوعيًّا للأسرة، واجعلها مقدسة لا تُمس إلا لضرورة قصوى، تمامًا كما تحفظ مواعيد محاضراتك أو دروسك الدعوية.

 

2. دمج الدعوة مع التربية: أشرك أبناءك في أنشطة دعوية بسيطة تناسب أعمارهم (كالمشاركة في تجهيز درس، أو توزيع كتيب، أو حفظ حديث)، واربطهم بالبيئة الإيمانية التي تعمل فيها، لكن مع حمايتهم من إرهاقهم أو تحميلهم ما لا يطيقون.

 

3. جلسات قصيرة يومية: ولو 15 دقيقة قبل النوم أو بعد صلاة الفجر، اجعلها وقتًا للحديث الهادئ، وسماع مشاكلهم، ومشاركة مواقف من حياتك الدعوية.

 

4. التفويض في العمل الدعوي: لا تتحمل كل الأعباء وحدك، فمشاركة الإخوة والأخوات في الأعمال الدعوية يتيح لك فراغًا لمتابعة الأسرة.

 

5. استثمار السفر والتنقل: إذا كان لديك تنقلات دعوية، فاستغل التقنية في التواصل مع أبنائك عبر مكالمات أو رسائل صوتية تحمل الحب والاهتمام.

 

6. العناية بالجانب العاطفي: تذكر أن الأبناء يحتاجون للحب والاهتمام أكثر من حاجتهم للنصيحة المجردة، فالعاطفة الصادقة تفتح قلوبهم لما تريد غرسه من قيم.

 

نماذج من السيرة

 

هذا هو النبي ﷺ، وأنت تعلم يقينًا أنه كان قائدًا للأُمّة ومُبلِّغًا للوحي، كان يجد وقتًا ليلعب مع الحسن والحسين، ويحمل أُمامة بنت زينب في الصلاة، ويخاطبهم بكلمات المحبة، فالتربية بالقدوة والعاطفة ركن أساسي في بناء الشخصية المسلمة.

 

معادلة النجاح

 

واعلم -أخي الحبيب- أن أهم معادلة في حياتنا هي (بيت قوي + دعوة قوية = أثر مستمر)، أما إذا انشغل الداعية عن بيته حتى تضعف الروابط أو يضيع الأبناء، فقد ينهار جهد سنوات في لحظة.

 

أخي الحبيب، أبناؤك هم أمانتك الكبرى، وهم مشـروعك المستمر بعد موتك، والدعوة تبدأ من بيتك؛ فكما تُعطي للناس من وقتك وجهدك، اجعل لأبنائك نصيبًا من أجمل ساعاتك، ولا تجعلهم يرونك دائمًا متعبًا مشغولًا عنهم.

 

ونسأل الله أن يوفقك للتوازن بين الدعوة وتربية الأبناء، وأن يجعل أولادك من حفظة كتابه، وأن يرزقك برّهم في حياتك وبعد مماتك، وأن يكتب لك أجر ما تعلمه للناس وأجر ما تزرعه في بيتك من خير وصلاح، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

الرابط المختصر :