الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الأطفال
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
26 - رقم الاستشارة : 5741
30/08/2026
ابني عنده ٨ سنوات، وهو ذكي جدًا ومحبوب في المدرسة، لكن مشكلتي إنه لا يسمع كلامي إلا بعد ما أكرر الطلب عشر مرات. أحيانًا أهدده بحرمانه من الأشياء التي يحبها، وأحيانًا أرفع صوتي، وأحيانًا أضربه على يده، وبعدها أندم جدًّا. المشكلة أن والده يقول لي: "أنتِ دلعتيه من البداية"، وأنا أشعر أنني بالفعل فقدت السيطرة عليه.
هو ليس طفلًا سيئًا، بالعكس، لكنه يجادلني في كل شيء: لماذا أنام الآن؟ لماذا أرتب غرفتي؟ لماذا لا ألعب؟ ولماذا أذهب إلى الدرس؟ حتى الأشياء البسيطة أصبحت معركة. أشعر أنني دخلت معه في حرب يومية، وأنا لا أريد أن أخسره ولا أريد أن يكبر وهو لا يحترمني كأمه.
أولا
غاليتي أربد طمأنتك: أنتِ لم تفقدي ابنك، ولم تفسدي شخصيته، ولم يفت الأوان على
الإطلاق.
وأحب
أن أطمئنك أيضًا إلى نقطة مهمة جدًّا: الطفل الذي يجادل أمه في كل شيء ليس
بالضرورة طفلًا «قليل الأدب» أو «متمردًا»، فقد يكون طفلًا اكتشف أن الحوار الطويل
يؤجل المطلوب منه، وأن كثرة المقاومة تمنحه مساحة أكبر للتفاوض.
وهنا
نحتاج أن نخرج من سؤال: «كيف أجعله يسمع كلامي؟» إلى سؤال أعمق: «كيف أعلمه
الاستجابة للقواعد دون أن أحول علاقتي به إلى صراع قوة؟».
هذا
هو الفرق بين السلطة التربوية Authoritative Parenting وبين التسلط Authoritarian
Parenting. التربية الحازمة الدافئة تجمع بين الحب والحدود، ولا تعتمد على
التخويف والإهانة.
وتشير
الأدلة من منظمة الصحة العالمية إلى أن التدخلات الوالدية الإيجابية تساعد على
تقليل التربية القاسية وتحسين العلاقة بين الوالد والطفل.
أولًا:
توقفي عن تكرار الأمر عدة مرات..
فمثلا
عندما تقولين: «يلا يا حبيبي اقفل التليفزيون».
ثم:
«قلت لك اقفله».
ثم:
«أنت مش بتسمع الكلام؟»
ثم:
«لو ما قفلتوش هتشوف!».
فالطفل
يتعلم بصورة غير مباشرة أن التعليمات الأولى ليست ملزمة.
الأفضل
أن تقتربي منه، وتناديه باسمه، وتنظري إليه، وتقولي جملة قصيرة: «يا فلان، وقت
التليفزيون انتهى. اقفله الآن»، ثم أعطيه فرصة للاستجابة. وليس المطلوب أن تدخلي
في محاضرة كل مرة.
ثانيًا:
لا تدخلي معه في محكمة استئناف..
إذا
قال: «ليه؟»
يمكنك
أن تجيبي مرة واحدة: «لأن وقت الشاشة انتهى، واتفقنا على ذلك»
إذا
قال: «بس أنا لسه...».
«فاهمة
إنك عايز تكمل، لكن اتفاقنا وانتهى».
هنا
أنتِ لا تكسبين معركة، وإنما تعلمينه Emotional Regulation؛
أي تنظيم الانفعال وتحمل الإحباط.
ثالثًا:
ضعي قواعد قليلة وواضحة..
لا
تضعي مثلا عشرين قاعدة.
اختاري
مثلًا:
النوم
في موعد محدد.
الواجب
قبل اللعب.
ترتيب
الأشياء بعد استخدامها.
الاحترام
ممنوع معه الصراخ أو الإهانة.
واجعلي
القواعد ثابتة قدر الإمكان بينك وبين الأب؛ لأن الطفل عندما يجد أحد الوالدين يقول
شيئًا والآخر ينقضه، يدخل بسهولة في منطقة Triangulation،
أي جذب أحد الأطراف إلى صراع بين طرفين.
وهنا
يجب أن يتفق الأب والأم على القواعد الأساسية بعيدًا عن الطفل.
رابعًا:
أعيدي بناء صورته عن نفسه..
لا
تقولي: «أنت عنيد».
قولي:
«أنا عارفة إنك قادر تلتزم بالاتفاق».
فالفرق
كبير. الأولى تصف هويته، والثانية تصف سلوكه المتوقع.
خامسًا:
امدحي السلوك الصحيح فورًا..
إذا
طلبتِ منه شيئًا واستجاب من المرة الأولى، لا تتعاملي معه وكأن ذلك أمر عادي لا
يستحق الانتباه.
قولي:
«عجبني جدًّا أنك سمعت الكلام من أول مرة، دي مسؤولية كبيرة»، هذا يسمى Positive
Reinforcement، أو التعزيز الإيجابي. والهدف ليس رشوة الطفل، وإنما زيادة احتمال
تكرار السلوك الجيد.
والأبحاث
في التربية تؤكد أن البيئة الأسرية، وطريقة التواصل، والحدود، والمناخ الانفعالي
كلها عناصر متشابكة في نمو الطفل، وليست مجرد «طاعة» منفصلة عن العلاقة.
أما
عن الضرب، فأنا أتمنى منك أن تتوقفي عنه تمامًا، ليس لأنك أم سيئة، وإنما لأنك
بالفعل تستطيعين الوصول إلى نتيجة تربوية أفضل من خلال الحزم الهادئ وبدون عنف
وإيذاء.
قال
الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. وأبناؤنا هم أولى الناس بحسن القول.
همسة
أخيرة:
ابنك
لا يحتاج أُمًّا يخاف منها؛ يحتاج أُمًّا يعرف أن كلمتها ثابتة، وقلبها آمن.
روابط ذات صلة:
كيف أُعوِّد أطفالي على طاعتي بأسلوب تربوي سليم؟!!