الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : استشارات أخرى
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
8 - رقم الاستشارة : 6071
08/10/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أكتب إليكم وأنا أحمل في قلبي شيئًا من الحيرة والغضب، وأحتاج إلى رأي شرعي يهدّئني ويصحح لي طريقة تفكيري إن كنت مخطئة. أنا أشارك أحيانًا في الدلالة على الزواج، وأحاول أن أساعد بعض الفتيات في إيجاد زوج مناسب لهن، وقد مررت خلال الفترة الماضية بمواقف جعلتني أتساءل كثيرًا عن نظرة الناس إلى بعضهم، وعن مدى موافقة هذه النظرة لتعاليم الإسلام.
قبل أيام، دللت على فتاة لإحدى الأسر، وكانت إحدى أخواتها تعاني من ظرف صحي معين. شجعت الفتاة كثيرًا على أن تقبل استقبال الخاطب وألا تغلق الباب من البداية، وقلت لها إن من الأفضل أن تسمع منهم وتترك الأمر لما يقدره الله، وكنت متفائلة بأن الأمور قد تسير بخير. وبالفعل جاءوا، وجلست الفتاة معهم، وشرحت لهم بكل وضوح وشجاعة وضع أختها الصحي، ولم تخفِ عنهم شيئًا. لكنهم، كما أخبرتني، لم يكملوا حتى فنجان القهوة، وتركوه وغادروا.
كانت تبكي وهي تحدثني، وقالت كلامًا أثّر فيّ جدًا: أنا أفهم أن يكون لديهم تخوف أو قلق، لكنني أنا بصحة جيدة، وقد أنجبت طفلة سليمة، فما ذنبي أن أُرفض بسبب حالة أصابت أختي؟ لماذا أُحاسَب أنا على شيء لم أختره وليس في يدي؟ والأصعب أنها قالت إن هذا الموقف أعاد إليها نفس الشعور الذي عاشته سابقًا، وكأنها تُعاقَب على أمر ليس لها فيه ذنب.
شعرت وقتها أنني أنا أيضًا أخطأت عندما شجعتها، لأنني كنت أظن بالناس خيرًا، وكنت متفائلة أكثر مما ينبغي، ثم وجدت نفسي أمام فتاة تقضي ليلة كاملة بالبكاء والقهر.
وهذا ليس الموقف الوحيد. قبل فترة كنت أبحث عن زوجة لأخي، واتصلت بإحدى الأسر لأعرّفهم بنفسي وبالغرض من الاتصال، فقاطعتني الأم وقالت لي مباشرة: أنا منفصلة، وأربي أولادي وحدي، فإذا كان هذا الأمر لا يناسبكم فلا تتعبوا أنفسكم بالمجيء. أما إذا كان طلاقي، الذي حدث قبل عشرين سنة، سيجعلكم تشعرون بالحرج، فلا تأتوا. ثم أخبرتني أن أكثر من خاطب جاء لابنتها وأعجب بها، لكن بمجرد أن يعرفوا أن أمها مطلقة، ينسحبون.
بصراحة تألمت جدًّا من كلامها، ووجدت نفسي أواسيها وأقول لها إن هذا ليس من تفكيرنا، وإن المهم أن يتوافق الشاب والفتاة، وأن دور الأهل أن يفرحوا لهما ويساعدوهما.
لكن بقي في داخلي سؤال: لماذا تحمل هذه المرأة رصيدًا من الألم بسبب طلاق حدث قبل عشرين عامًا، ثم تنتقل تبعاته إلى ابنتها؟
ومواقف أخرى مررت بها جعلتني أكثر حيرة. مرة عرضت فتاة يتيمة على أسرة، وقبل أن يعرفوا عنها شيئًا أو يسألوا عن أخلاقها ودينها وشخصيتها، كان الرد: لا، يتيمة، الموضوع صعب. ومرة أخرى عرضت فتاة أخرى، فقيل لي: لا، عندها خمس أو ست أخوات بنات، وهذا يعني مسؤوليات وصداعًا ومشكلات مستقبلية.
أنا لا أقول إن من حق الإنسان أن يوافق على الزواج بمن لا يريده، ولا أقول إن من حق أحد أن يجبر شخصًا على قبول خاطب أو مخطوبة. فالزواج قرار مهم، ومن حق كل طرف أن يسأل ويطمئن ويختار.
لكن سؤالي عن شيء آخر: هل يجوز أن تتحول ظروف الإنسان التي لم يخترها إلى سبب لإهانته أو الانتقاص منه أو إغلاق الأبواب في وجهه دون أن يُنظر إلى دينه وخلقه وشخصيته؟ هل يُعاقَب الإنسان مرتين؟ مرة بالابتلاء الذي نزل به أو بأسرته، وهو أمر لم يختره، ثم مرة أخرى بنظرة الناس إليه بسبب هذا الابتلاء؟
فالمرض ليس اختيارًا، واليُتم ليس اختيارًا، والطلاق ليس دائمًا اختيارًا، والترمل ليس اختيارًا، وعدد الأخوات والبنات ليس ذنبًا، ولا أحد منا يملك ضمانًا لنفسه أو لأسرته أن تبقى صحيحة دائمًا، أو ألا يقع فيها طلاق أو ترمل أو مرض أو أي ابتلاء.
وأنا أتساءل أيضًا: ما موقف الإسلام من هذه النظرة؟ نعرف أن الإسلام حث على اعتبار الدين والخلق، ونهى عن الظلم والتنابز والاحتقار، لكنني أريد أن أفهم بصورة دقيقة: أين يكون من حق الأسرة أن تتحفظ وتسأل وتخاف على مستقبل ابنها أو ابنتها، وأين يتحول هذا التحفظ إلى ظلم أو تمييز غير مشروع؟ وهل من الخطأ أصلًا أن أتدخل في الدلالة على الزواج بعد ما رأيته من هذه المواقف؟ أصبحت أخاف أن أشجع فتاة على فتح باب، ثم تكون النتيجة أن تُجرح وتُهان بسبب أمر لا علاقة لها به.
أحتاج إلى إجابة شرعية متوازنة، لا إلى مجرد مواساة؛ لأنني فعلًا بدأت أشعر بالغضب من هذه التصرفات، وأخشى أن يجعلني غضبي أظلم الناس في الحكم عليهم.. فكيف ينبغي للمسلم أن ينظر إلى هذه الأمور؟ وما الضابط الشرعي في رفض الخاطب أو المخطوبة بسبب ظروف تتعلق بالأسرة أو المرض أو اليُتم أو الطلاق؟ وجزاكم الله خيرًا.
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة في موقعك بوابة
الاستشارات الإلكترونية.
أنت
يا غاليتي تقومين بدور بالغ الأهمية في المجتمع المسلم وخاصة في هذا العصر الذي
نعيشه.. أن تدلّي شابًّا على فتاة صاحبة خلق ودين وأن تجدي لفتاة خلوقة زوجًا
مناسبًا أمر حيوي جدًّا في ظل ضعف العلاقات الاجتماعية وغياب الأسر الممتدة بحيث
قد تمر سنوات والشاب يبحث عن فتاة مناسبة، ويزداد الأمر صعوبة بالنسبة للفتاة التي
قد يكون فيها جميع الصفات الجميلة وعلى الرغم من ذلك لا يطرق بابها خاطب.
والاستشارات
التي تصلنا بهذا الصدد مؤلمة موجعة فلا تدفعك بعض الحالات (والتي سوف نناقشها لاحقًا)
إلى رفض أصل الفكرة وهي المساعدة في تيسير الزواج في وقت أصبح تعسيره وتصعيبه تقف
وراءه أجندات مريبة؛ لذلك لا أبالغ إن قلت لك أنك على ثغر من الثغور.
ويكفيك
فخرًا أن النبي ﷺ قام
بهذه المهمة بنفسه فعندما تطلقت فاطمة بنت قيس و(ذَكَرتُ لَهُ أنَّ معاويةَ بنَ
أبي سفيانَ وأبا جَهْمٍ خَطباني، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: أمَّا أبو جَهْمٍ، فلا يَضعُ عصاهُ عن
عاتقِهِ، وأمَّا مُعاويةُ فصعلوكٌ لا مالَ لَهُ، انكِحي أسامةَ بنَ زيدٍ، قالَت
فكَرِهْتُهُ، ثمَّ قالَ: انكِحي أسامَةَ بنَ زيدٍ فنَكَحتُهُ، فجعلَ اللَّهُ تعالى
فيهِ خيرًا كثيرا، واغتَبطتُ بِهِ).
وكان ﷺ حريصًا على
الاطمئنان على الجبهة الداخلية للأمة فيسأل أصحابه عن زواجهم وممن تزوجوا وكم
قدموا من صداق لذلك يا غاليتي لا أريدك أن تستهيني بدورك أو تحبطي من القيام به.
الزواج
والظروف المحيطة بالفتاة
أختي
الكريمة، أنا لا أريد أن أهدئك وأسكن ما فيك من غضب تجاه حالات الرفض التي واجهتك
وأنت تسعين لتزويج فتيات صاحبات خلق ودين، ولكنك فوجئت برفض مبدئي شديد لهن لأسباب
ليس لهن ذنب فيها كاليتم أو طلاق الوالدين أو وجود مرض في العائلة ونحو ذلك.
يا
غاليتي، سأحدثك بصراحة شديدة الناس خائفة بشدة.. معدلات الطلاق مرعبة.. القضايا في
محكمة الأسرة مكدسة.. الجميع يتكلم أن سوء الاختيار منذ البداية قد يكون السبب
الرئيسي في هذا الفشل؛ لذلك فهم يخافون ويدققون ويتوجسون بسرعة، خاصة أنه لا يوجد
ما يدفعهم للبقاء أو التمسك بهذه الفتاة تحديدًا ولا يعرفون عنها إلا عناوين
عريضة.
أختي
الكريمة، استعيذي بالله من الشيطان الرجيم ونحي عنك الغضب قليلاً ودعينا نفكر بشكل
موضوعي ونضع نفسنا مكان الطرف الآخر.. سأختار نموذجًا من النماذج التي طرحتها..
الفتاة التي لها أخت مريضة لكنها هي نفسها سليمة والتي أمضت ليلة حزينة بعدما تم
رفضها على هذا النحو لا شك أنها تعرضت للألم مرتين، مرة بسبب الحزن على أختها،
ومرة بسبب الرفض الذي تعرضت له وهو ابتلاء شديد (أسعد الله قلبها ويسر أمرها).
لكن
في المقابل ما ذنب الخاطب وعائلته أن يتزوج من فتاة ربما يكون لديها مشكلة وراثية
وينجب أطفالاً يصابون بنفس المرض أو تكون هناك احتمالية للإصابة بنفس المرض؟
الدين
والخلق هو أساس الزواج، لكن هناك أشياء أخرى بالغة الأهمية لا يمكن تجاهلها في
الزواج كالشكل والمظهر (كُنتُ عِندَ النَّبيِّ ﷺ، فأتاه رَجُلٌ فأخبَرَه أنَّه تَزَوَّجَ
امرَأةً مِنَ الأنصارِ، فقال له رَسولُ اللهِ ﷺ: أنَظَرتَ إليها؟ قال: لا، قال: فاذهَبْ
فانظُرْ إليها، فإنَّ في أعيُنِ الأنصارِ شيئًا).
فقد
يرفض الرجل الزواج من فتاة صاحبة خلق ودين لأن عين العروس لا تروقه، فهل نغضب
ونقوم باتهامه بأنه تجاهل خلقها ودينها ولم يشغله إلا عينيها التي لا ذنب لها فيها
لأنها خلق الله عز وجل؟!
كيف
ترشحين عروسًا لها ظروف حساسة؟
أختي
الكريمة، في حالة أنك ترشحين عروسًا صاحبة خلق ودين ولكن لديها بعض الظروف الحساسة،
فمن الأفضل أن تقومي أنت بشرح هذه الظروف أولا لعائلة الخاطب قبل أن تتحدثي إلى
الفتاة كما فعلت مع الفتاة اليتيمة، والواقع يشهد أن الأغلبية من العائلات لن ترفض
الفتاة اليتيمة، لكن تحسبًا لرفض البعض وحرصًا على ألا تخدش مشاعر الفتاة عليك أن
تذكري هذه المعلومة.
الفتاة
التي أخذناها نموذجًا والتي لها أخت مريضة كان عليك أن تعرفي كل التفاصيل، مثل:
ـ
هل هذا المرض وراثي؟
ـ
ما هو احتمالية أن يتم انتقاله للأبناء؟
ـ
هل ستحتاج هذه الأخت رعاية أختها بعد الزواج أم أن هناك من يقوم بهذه المهمة
غيرها؟
ثم
تقومين بنقل كل المعلومات الدقيقة لعائلة الخاطب، فمن حقهم أن يفكروا ويسألوا..
ومن حقهم الرفض دون أن يبذلوا جهدًا.
أعلم
أن نيتك كانت طيبة، لكن لا يكفي أن تستبشري وتتركي الأمر يسير بطريقة تلقائية
فتكون النتيجة الرفض بهذه الطريقة الجارحة التي آلمت الفتاة.. لا شك أنهم أخطأوا
بطريقتهم السريعة في المغادرة دون أن يكملوا حتى شرب القهوة، ولكن أحيانًا
المفاجأة تفقد الإنسان قدرته على التعامل بطريقة تراعي مشاعر من أمامه، وكان من
الممكن تجنب الموقف لو أن المعلومة كانت متوفرة منذ البداية، أما ترك الأمور
لاحتمالية أن يحدث توافق وإعجاب وانجذاب يقفز على ظروف موضوعية صعبة فهو في رأيي
تخطيط غير موفق.
في
حالة هذه الفتاة صاحبة الأخت المريضة.. أنت ذكرت أن لديها طفلة سليمة، لكن لو أن
هناك احتمالاً وراثيًّا لإنجاب أطفال مرضى فيمكنك أن تفكري في رجل لا ينجب أو رجل
لديه أطفال ولا يرغب في المزيد من الأطفال.. قد تقولين لي إنه لا ذنب لها في مرض
أختها، وأنا أقول لك إنه لا ذنب للإنسان في مرضه هو شخصيًّا ولا ذنب للرجل الذي لا
ينجب أن الله خلقه هكذا، فنحن نسدد ونقارب بين أشخاص لهم ظروف متشابهة أو لديهم
قدرة أكبر على تفهم بعضهم بعضًا فلا نجمع عليهم بين الابتلاء بالمرض والوحدة بسبب
عدم الزواج.
أختي
الكريمة، التمسي العذر للناس؛ فالذي يرفض الزواج من فتاة بسبب طلاق والديها لديه
خوف أن يتكرر ذلك معه؛ لذلك هو يبحث عن فتاة نشأت في بيت مستقر، هذه وجهة نظره،
ستجدين آخر لا يشغله إلا أن الفتاة تربت تربية قويمة جعلتها صاحبة خلق ودين.
أنت
تقومين بمهمة حيوية مرتبطة بالعلاقات والناس وطبيعي أن تلتقي بصنوف ومعادن من
البشر؛ لذلك لا بد أن تكوني مرنة متفهمة متلمسة للأعذار صبورة فهكذا هم البشر و(المؤمِنُ
الذي يُخالِطُ الناسِ ويَصبِرُ على أذاهُمْ، أفضلُ من المؤمِنِ الَّذي لا يُخالِطُ
النَّاسَ ولا يَصبرُ على أذاهُمْ)، فما بالك بمن يخالط الناس ويصبر على آذاهم حتى
يحافظ على تماسك المجتمع ويعف أبناءه ويبعدهم عن طريق الفواحش ما ظهر منها وما
بطن؟ يسر الله أمرك وجزاك الله خيرًا على ما تقومين به وثبتك على طريق الحق، ولا
تترددي في الكتابة لنا مرة أخرى.
روابط
ذات صلة: