الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
53 - رقم الاستشارة : 4755
05/05/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا شاب أعيش في منطقة مختلطة يسكنها مسلمون وإخوة مسيحيون، وكنا نعيش في سلام وأخوة منذ سنوات. لكن في الفترة الأخيرة، بدأت تنتشر شائعات مغرضة تهدف إلى إثارة الفتنة بيننا؛ مثل شائعات عن اعتداءات مزعومة من هذا الطرف على ذاك، أو استهداف لدور العبادة، أو انتهاكات لحرمات الآخر.
هذه الشائعات انتشـرت بسـرعة كبيرة عبر مجموعات الواتس آب، وبدأت تظهر بوادر التوتر بين الجيران وزملاء العمل. أنا أشعر بالقلق والحزن لما يحدث، وأريد أن أساهم في إطفاء هذه الفتنة قبل أن تستعر.
كيف أتعامل مع هذه الشائعات كمسلم؟ وما واجبي تجاه إخواني المسلمين وإخواني من غير المسلمين في هذه الظروف؟ وكيف يمكننا الحفاظ على النسيج الوطني الذي كان يجمعنا؟
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، أيها الشاب الغيور على وطنه ومجتمعه، حياك الله وجزاك
خيرًا على حرصك على السلم المجتمعي.
ما
تمر به منطقتك هو نموذج خطير يبين أن من أغراض مروجي الأراجيف "إفساد العلاقة
بين عناصر المجتمع وتفريق المجتمع وتشتيت جهوده البناءة، وزرع الطائفية القاتلة من
خلال أساليب التخويف والاستغلال والسخرية".
إن
استهداف العلاقات بين أبناء الوطن الواحد من أخطر ما يمكن أن يفعله المفسدون؛
لأنهم يدركون أن تماسك المجتمع هو أعظم حصون الأمة، فإذا انهارت الثقة بين أبنائه،
أصبح فريسة سهلة للأعداء والمتربصين.
أولاً:
لا بد أن تستحضر أن هذه الفتنة التي تحاول اختراق مجتمعكم ليست وليدة اللحظة، بل
هي أسلوب قديم استخدمه أعداء الأنبياء والمصلحين عبر التاريخ. فقد كان المنافقون
في المدينة المنورة بعد هجرة النبي ﷺ يسعون إلى تفريق المجتمع وتشتيته، وخلد لنا القرآن
الكريم صورًا ونماذج لهؤلاء المرضى، وحذر المسلمين من اتباعهم أو الاستماع إليهم
أو الخوض معهم فيما يخوضون فيه. قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ
يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ
غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى
مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.
أما
عن واجبك في هذه الظروف، فأقدم لك خطة عملية على عدة مستويات:
أولاً:
التثبت وعدم الانجرار وراء الشائعة:
هذا
هو أول وأهم واجب عليك تجاه نفسك قبل الآخرين. إذا وصلتك شائعة تهدف إلى إثارة
الفتنة، تذكر أن من أهدافها إغضابك واستفزازك لترد بغضب دون تفكير. قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا
أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ
نَادِمِينَ). لا تكن سريع التصديق، ولا سريع النقل، ولا سريع الانفعال. تذكر أن
الشائعة تنتشر بسرعة لأنها تثير العواطف وتترك أثرًا عميقًا في نفوس الجماهير،
وإذا شعرت أن قلبك بدأ يضيق مما تسمع، فارجع إلى قول الله تعالى: {وَلَا
تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}.
ثانيًا:
كتمان الشائعة وعدم نشرها:
إذا
وصلتك شائعة، فلا تنقلها إلى أحد، واجعلها تنتهي عندك. ثبت في شأن حادثة الإفك
عندما افترى المنافقون على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أن القرآن الكريم دعا
إلى حسن الظن، ثم دعا إلى إمساك اللسان عن التحدث بما فيه شك. قال تعالى: {لَوْلَا
إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا
وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ}، ثم قال: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ
مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}.
وإذا كنت لا تستطيع أن توقف انتشار الشائعة، فلا تكن سببًا في انتشارها، ولا تشارك
في نشرها ولو بدافع "التحذير" أو "التعجب". فإن نشر الشائعة –حتى
بقصد التحذير– هو إعانة على نشرها وتوسيع دائرتها.
ثالثًا:
استقاء الأخبار من مصادرها الرسمية:
في
أوقات الفتن، يجب أن نعتمد على المصادر الرسمية الموثوقة في الحصول على الأخبار.
لا تأخذ الأخبار من صفحات مجهولة أو قنوات مشبوهة.
إن
من أساليب مروجي الأراجيف استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الشائعات، فمن باب
أولى أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي مصدرًا للتثبت والتأكد. إذا سمعت خبرًا خطيرًا،
فتأكد من صحته من خلال الجهات الرسمية أو من خلال الثقات من الجيران والمعارف
الذين تعرف صدقهم وأمانتهم.
رابعًا:
التواصل المباشر مع الطرف الآخر:
إذا
انتشـرت شائعة تؤثر على علاقتك بجيرانك من غير المسلمين، فلا تترك الفرصة للشائعة
أن تفسد ما بينكم. اذهب إليهم بنفسك، أو كلمهم هاتفيًا، واسألهم عما سمعته، وعبر
عن حزنك مما يحدث، وأكد لهم أن هذا لا يمثل العلاقة الحقيقية بينكم. لا تنتظر أن
يتصلوا هم بك. قال النبي ﷺ: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا،
أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم). وفي هذا السياق،
إفشاء السلام ومد جسور الحوار هو أقوى سلاح لمواجهة شائعات الفتنة.
خامسًا:
تحصين البيئة المحيطة بك:
لا
تكتف بمواجهة الشائعات، بل اعمل على تحصين محيطك من خلال:
*
التذكير بالمشتركات: تحدث
مع أصدقائك وجيرانك عن القيم المشتركة التي تجمع الجميع، كحب الوطن، والجيرة، وحق
الجار، والحرص على السلم المجتمعي.
* إحياء
المناسبات المشتركة: شارك
إخوانك من غير المسلمين في أفراحهم وأحزانهم، وزرهم في أعيادهم، وقدم لهم التهاني
والتبريكات. هذه الممارسات العملية أقوى من ألف خطبة في مواجهة شائعات الكراهية.
* نشـر
ثقافة التسامح: اجعل منشوراتك على وسائل التواصل الاجتماعي
تعكس روح التسامح والتعايش، وانقل صور التعاون والمحبة بين أبناء الوطن الواحد.
سادسًا:
الدعاء والتضرع إلى الله:
في
أوقات الفتن، لا ننسى أن القلوب بيد الله، وأنه سبحانه هو الذي يؤلف بين القلوب.
كان النبي ﷺ يدعو: (اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات
بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور). أكثر من هذا الدعاء،
وأكثر من الدعاء أن يعي الناس خطورة الفتن، وأن يرد كيد المفسدين.
وأنصحك
ختامًا:
لا
تيأس من كثرة الشائعات، فإن النور يمحو الظلام، والحق يزهق الباطل. تذكر أن
المفسدين يريدون إيقاع الفتنة بين الناس، وإن "شائعة واحدة كفيلة بإهلاك
مجتمع بأكمله". فلا تكن جزءًا من هذه الفتنة ولو بكلمة. كن جسرًا للتواصل،
وناشرًا للسلام، وداعية للخير. اعلم أن الله تعالى يدفع الباطل بأهل الحق، كما قال
سبحانه: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ
الْأَرْضُ}. وأنت اليوم من أهل الحق الذين يدفع الله بهم الفساد عن الأرض.
وأسأل
الله العظيم أن يحفظ وطننا من كل فتنة، وأن يؤلف بين قلوب أبنائه، وأن يجعلنا جميعًا
إخوة متحابين في الله وفي الوطن.
روابط ذات صلة:
كيف يواجه الداعية الشائعات الإلكترونية في المهجر؟
كيف يحصن الداعية المجتمع ضد الأراجيف الاقتصادية وزعزعة الثقة بالدولة؟
كيف يحمي الداعية الشباب من أراجيف التيارات الهدامة؟
درع الوعي.. استراتيجيات الداعية في تفكيك الأراجيف وحماية السلم النفسـي للمجتمع