ضيق الصدر من قلة التفاعل الدعوي

Consultation Image

الإستشارة 20/09/2025

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا شاب أعمل في ميدان الدعوة منذ سنوات قليلة، وأحاول أن أقدّم ما أستطيع من دروس وكلمات وخطب، بل حتى عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنشر بعض المقاطع والكتابات. لكنني في كثير من الأحيان أصاب بضيق شديد حين لا أجد التفاعل الذي أرجوه من الناس، سواء في الحضور أو في الاستماع أو حتى في إبداء الاهتمام. بل إن بعض ما أطرحه يمر مرورًا عابرًا، كأن لم يكن! وهذا يجعلني أشعر أن جهدي قليل الجدوى، وأن ما أبذله لا يحدث التأثير الذي أطمح إليه. فهل هذا الشعور طبيعي؟ وكيف أتعامل معه من غير أن يثبطني عن الاستمرار؟

الإجابة 20/09/2025

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أيها الأخ المبارك، سررتُ باستشارتك لأنها تعكس صدقًا وحرصًا على أثر الدعوة ونجاحها، وهذا دليل حياة قلبك وحرصك على إيصال الخير إلى الناس. واسمح لي أن أبسط لك القول في نقاط جامعة نافعة، عسى أن تجد فيها ما يشرح صدرك ويثبّت قدمك.

 

التفاعل الحقيقي في علم الله لا في حساباتنا

 

إن أول ما ينبغي أن تدركه أن التفاعل الحقيقي ليس في كثرة الإعجابات أو في عدد الحضور، وإنما في أثر الكلمة حين تصل إلى القلوب، ولو في شخص واحد. فقد قال النبي ﷺ: (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعمفليس المطلوب أن يتفاعل معك الآلاف، وإنما أن يكتب الله على يديك هداية قلب أو إصلاح نفس، وذلك عند الله أعظم من كل مظاهر التفاعل الدنيوي.

 

وإني لأحزَنُ كثيرا حين أجد بعض الدعاة ينشغل بعدد المتابعين هنا وهناك ويتفاخر بالأعداد، وينسى أن المسألة ليست بالمتابعين والأعداد؛ فكم من داعية هلك وأهلك من معه من متابعيه بالغرور والكبر.. فالحذر الحذر..

 

الأنبياء قدوة في قلة المستجيبين

 

تأمل سيرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لتعلم أن قلة التفاعل سنة ماضية في تاريخ الدعوة. فقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ((عُرِضَت عليَّ الأممُ، فرأيتُ النبيَّ ومعه الرهطُ، والنبيَّ ومعه الرجلُ والرجلان، والنبيَّ وليس معه أحد))، فإن كان نبي من أنبياء الله دعا قومه ولم يتبعه أحد، أفلا نصبر نحن إن قلّ من يستجيب لنا؟

 

المطلوب البلاغ لا النتائج

 

الله سبحانه لم يكلّفك بالنتائج، وإنما كلفك بالبلاغ المبين، فقال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ وقال لنبيه ﷺ: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، فاجعل همّك أداء الأمانة وإيصال الرسالة، ودع الأثر لله، فإنه أعلم بقلوب العباد ومتى تتهيأ للهداية.

 

البذور لا تثمر فورًا

 

الدعوة أشبه بالزراعة، تبذر البذور اليوم، وقد لا ترى الثمرة إلا بعد سنوات. وربما غبت عن الدنيا وجاء من بعدك ليجني ثمار ما زرعت. قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: 58]. فلا تستعجل النتائج، فإن لله سننًا في التغيير لا تتبدل ولا تتغير، وكما يقول علماء النفس والتربية: (لا تتعجل قطف الثمار)، وكم من تجربة تثبت أن من تعجّل شيئا قبل أوانه عُوقِب بحرمانه.

 

تزكية النفس بالإخلاص

 

أحيانًا يكون ضيق الصدر من قلة التفاعل إشارة خفية من الله لمراجعة نياتنا. هل دعوتنا خالصة لله؟ هل نفرح بالقبول عند الناس أكثر من فرحنا بالقبول عند الله؟ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾، فإذا أصلحنا نياتنا اطمأنت قلوبنا، ولم نعد نقيس أعمالنا بميزان الدنيا.

 

التفاعل الصامت الذي لا يُرى

 

ليس كل تفاعل يُقاس بالأرقام أو بالكلمات. فقد يسمعك شخص في المسجد أو يقرأ لك منشورًا على الإنترنت، فيتأثر قلبه دون أن يظهر لك أثر ذلك. وربما دعا لك في جوف الليل وأنت لا تعلم. ورب كلمة صغيرة ألقيتها، بقيت في عقل إنسان سنين، ثم أيقظته يومًا إلى الحق.

 

الثبات سر النجاح

 

تأمل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ فالاستقامة والثبات على الدعوة أهم من الانشغال بنتائجها. وكثير من الناس لم يظهر أثر دعوتهم إلا بعد ثبات طويل وصبر ممتد.

 

نصائح عملية للتعامل مع قلة التفاعل

 

1) جدد نيتك باستمرار، وقل: "اللهم اجعل عملي كله صالحًا ولوجهك خالصًا".

 

2) نوع أساليبك الدعوية بين الموعظة، القصة، الحوار، الصورة، المقطع القصير، العمل الخيري.

 

3) لا تهمل الدعاء للمدعوين، فإن قلوبهم بيد الله. قال ﷺ: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن»

 

4) قيّم نفسك بميزان العبودية لا بميزان الشهرة. اسأل نفسك: هل أديت واجب البلاغ؟ لا: هل أعجب الناس بك؟

 

5) اجعل لنفسك أعمالًا خفيّة ((الخبيئة)) لا يعلمها إلا الله، فإنها تزكي روحك وتجعلك أكثر ثباتًا حين يقلّ التفاعل الظاهر.

 

وأخيرًا -أخي الكريم- إن شعورك بالضيق من قلة التفاعل طبيعي، لكن لا تجعل هذا الشعور يحجبك عن مواصلة الطريق. عش مع رسالتك بصدق، وازرع الكلمة الطيبة، واحتسب أجرك عند الله، فستجد يوم القيامة أن ما ظننته قليل الأثر، كان عظيمًا عند الله. وأسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يبارك في جهدك، وأن يريك ثمار دعوتك عاجلًا وآجلًا، وأن يجعل ما تقول وتكتب وتبذل حجة لك لا عليك، وذخرًا لك يوم تلقاه.

 

روابط ذات صلة:

الداعية بين ضعف التفاعل وقوة الأثر الخفي

لا أرى ثمرة لجهودي الدعوية وأفكر في الانعزال!

الرابط المختصر :