الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
12 - رقم الاستشارة : 5263
07/07/2026
أعمل في إدارة مستشفى خيري، وتقدم إلينا شخص معروف بأن ثروته من مصادر مشبوهة وتجارة ممنوعة بتبرع ضخم يكفي لتجهيز جناح عمليات كامل، واشترط وضع اسمه عليه؛ فهل يجوز لنا قبول تبرعه لحاجة المرضى، وهل يُؤجر هو على هذه الصدقة؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، والشريعة
الإسلامية قررت حماية المجتمع وصيانة مصالحه، وضبطت المعاملات المالية بقواعد
صارمة تضمن طهارة الكسب ونزاهة وجوه البر. غير أن الواقع العملي لا سيما في إدارة
المستشفيات الخيرية ضع القائمين عليها أمام نوازل دقيقة تتجاوز مجرد الحكم الفقهي
النظري لتشتبك مع واقع الحاجة المأساوية للمرضى، ومع مراتب اليقين والظن في الحكم
على أموال المتبرعين، وهو ما يتطلب تفصيلاً دقيقًا يزن بين المصالح والمفاسد، ويرد
الأمور إلى حقائقها الشرعية دون الاكتفاء بالشائعات أو التقولات.
اختصارًا:
١. يجوز للمستشفى الخيري قبول هذا التبرع لتجهيز جناح
العمليات بشرطين:
الأول: أن
تكون هذه الأموال "مختلطة" أي لا يمكن الجزم بأن هذا الجزء بعينه
المغذّي للمشروع هو عين المال المغصوب أو المسروق، وإن كان حرامًا خالصًا ولا يعرف
صاحبه جاز أيضًا استخدامه كما قرر الجمهور في المصالح العامة.
والثاني: أن
يُقصد بقبولها تخليص المجتمع من المال الحرام وتوجيهه لمنفعة عامة المرضى، مع
مراعاة مصلحة المجتمع في مسألة كتابة الاسم بحيث لا يؤدي ذلك لتلميع الفساد أو
إقرار الجريمة.
٢. أثر صفة "معروف": اللفظ العائم
"معروف" لا ينهض دليلاً شرعيًّا ما لم يستند إلى بيّنة قضائية أو إقرار؛
فالأصل في أموال الناس ومعاملاتهم السلامة والحل، ولا يجوز حرمان الفقراء من منفعة
بناءً على تقولات أو أراجيف لم تثبت شرعًا. كما يُحمل حال المسلم على التوبة أو
إرادة التخلص من الحرام ما لم يثبت العكس يقينًا.
٣. الأجر والقبول: مسألة قبول الله لعمل الغير وأجر
المتبرع أمر غيبي مفوّض بالكامل إلى الله تعالى، ولا ينبني عليه عمل للمؤسسة
الخيرية؛ فواجب الإدارة ينحصر في رعاية مصلحة المرضى وضبط المعاملة بظاهر الشرع،
أما السرائر فمردها إلى رب العباد.
آراء العلماء قديمًا وحديثًا:
لقد تناول الفقهاء مسألة التعامل مع صاحب المال الخبيث
أو المختلط، وحكم صرف هذه الأموال في المصالح العامة، ويمكن تصنيف آرائهم ونقولهم
كالتالي:
١. التفريق بين المال المختلط والمال الحرام لِعينه:
يرى جمهور الفقهاء أن من كان في ماله حلال وحرام وهو
المال المختلط، يجوز التعامل معه وقبول عطيته وتبرعه ما لم يتيقن الآخذ أن هذا
المال المعطى له هو الحرام بعينه.
جاء في "المجموع شرح المهذب" للإمام النووي
9/343:
"من ورث مالاً ولم يعلم من أين كسبه وارثه حلالاً
أم حرامًا؟ ولم تكن فيه علامة فهو حلال بإجماع العلماء، فإن علم أن فيه حرامًا وشك
في قدره أخرج قدر الحرام وتصرف في الباقي... وإذا دُفع إليه مالٌ ولم يدرِ أحلال
هو أم حرام، فقبوله ليس بحرام".
وجاء في "الفتاوى الكبرى" لشيخ الإسلام ابن
تيمية 4/178:
"المال المقبوض بعقد فاسد أو بتجارة محرمة إذا تاب
صاحبه منه... فإن كان مما لا يعرف صاحبه كأموال المظالم والمكاسب الخبيثة التي لا
مالك لها يعرف؛ فهذا يوزع في مصالح المسلمين وصدقة على الفقراء".
٢. مصير المال الحرام والتخلص منه في المصالح العامة:
إذا كان المال حرامًا محضًا ولم يمكن رده لأصحابه كأموال
التجارات المحرمة، فإن مذهب عامة الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة أن طريقة
التخلص منه هي صرفه في منافع المسلمين العامة كالمستشفيات والجسور، ويكون الآخذ
لها للمستشفى آخذًا لها بحق، ويكون المال في حق الفقراء والمرضى حلالاً طيبًا.
يقول الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين"
2/132:
"إذا كان معه مال حرام وأراد التوبة وبراءة الذمة؛
فإن كان له مالك معين وجب رده إليه، وإن كان لا يعرف مالكه أو يئس من معرفته،
فالواجب صرفه في مصالح المسلمين العامة، كالقناطر والمساجد ومستشفيات المرضى، أو
التصدق به على الفقراء".
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
السعودية - الفتوى رقم 18621:
"الأموال الناتجة من كسب محرم إذا أراد صاحبها
التخلص منها بالتوبة، فإنها تصرف في منافع المسلمين العامة، ومنها بناء المستشفيات
ومساعدة المرضى الفقراء، ولا يترك في أيدي العاصين ليستعينوا به على معاصيهم".
٣. مسألة وضع اسم المتبرع على الجناح:
هذه المسألة تخضع للسياسة الشرعية ومراعاة المقاصد؛ فإذا
كان وضع الاسم يترتب عليه مفسدة أعظم مثل إظهار الفاسق بمظهر المحسن الكبير مما
يغري الناس بفعله أو يشرعن تجارته، منعت الإدارة ذلك واشترطت التبرع غفلاً دون
اسم. أما إن كان الرجل قد تاب، أو كان في وضع اسمه مصلحة لتشجيع نظرائه على التخلص
من أموالهم في وجوه الخير، جاز ذلك.
القواعد الفقهية الحاكمة:
تنضبط هذه النازلة بعدة قواعد فقهية كلية توجه نظر
المفتي والمسؤول:
قاعدة: "اليقين لا يزول بالشك"
ذمة المسلم في الأصل بريئة، ويده على ماله يد ملك وحلّ
بالظاهر. ووصف الرجل بأنه "معروف" بمصادر مشبوهة، إن كان مجرد شائعات،
وتقولات، وأقاويل في مجالس الناس دون بيّنة قضائية قطعية أو إقرار شفهي موثق منه؛
فهو "شك" و"ظن"، والشك لا يهدم اليقين الظاهري بحل ماله. فلا
يجوز حرمان المرضى من جناح عمليات مجهز بناءً على ظنون لا تثبت أمام القضاء.
قاعدة: "تبدل صفة المال بتبدل اليد"
المال الحرام إذا لم يكن مغصوبًا من شخص معين كالمسروق
إنما يحرم على كاسبه فقط لعينه ووصف طريقة كسبه. فإذا انتقل هذا المال إلى جهة
خيرية لعلاج الفقراء والمساكين، فإن يد المستشفى يد نيابة عن الفقراء والمصالح
العامة، فيتبدل وصف المال في حقهم من "مال خبيث الكسب" إلى "مال
مباح الصرف في المنفعة العامة".
قاعدة: "المشقة تجلب التيسير" و"الحاجة
تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة"
حاجة المرضى وعجز المستشفى الخيري عن تجهيز جناح
للعمليات ينقذ الأرواح هي "حاجة عامة" ترقى إلى مستوى الضرورة. والتضييق
في شروط التبرع مع غياب البدائل يشق على إدارة المستشفى ويعطل منافع الخلق؛ لذا
يسوغ التيسير بقبول المال وصرفه في قنواته الطبية.
أخيرًا: التركيز على الأبعاد الخاصة بالسؤال:
أولاً: رتبة المعرفة بينة أم تقولات؟
كلمة "معروف" في السؤال كلمة فضفاضة، وفي فقه
القضاء والفتوى لا يُبنى حكم على "قيل وقال". فإذا كان هذا الشخص لم
يصدر بحقه حكم قضائي يثبت تجارته الممنوعة، ولم يعترف هو بذلك علنًا، فإن الشريعة
تمنعنا من تتبع عورات الناس وسوء الظن بأموالهم. بل إن المسلم يُحمل حاله على
الصلاح والحلّ. وحتى لو فرضنا جدلاً ثبوت مباشرته لتلك التجارة في زمن ما، فمن
يملك اليقين بأنه لم يتب؟ أو أن هذا التبرع الضخم ليس محاولة منه للتخلص من كسب
حرام ضاقت به نفسه وأراد تطهير ماله؟ إن الأصل هو إحسان الظن بالمسلم المقبِل على
فعل الخير، وخاصة أن قبوله يترتب عليه نفع عام.
ثانيًا: تفويض مسألة القبول إلى الله خلو بين الناس
وربهم:
إن سؤال "هل يقبل الله من فلان؟" أو "هل
يُؤجر فلان على صدقته؟" هو تدخّل في شأن غيبي محض استأثر الله تعالى بعلمه؛
فالقبول والثواب مبني على النيات والسرائر، والنيات لا يطلع عليها إلا الله.
وحين يسأل المرء هل يقبل الله مني؟ فالأمر مفهوم، فسؤاله
باعث على الخوف والرجاء وإصلاح العمل، أما حين نسأل هل يقبل الله من فلان!؟ فما
الباعث والمقصد، فما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولا ينبني على معرفة قبول الله
لعمله أو عدم قبوله أي إجراء عملي من طرفكم؛ فالمستشفى ليست جهة لتصنيف العباد أو
صكوك الغفران، بل هي جهة اعتبارية تتلقى الوسائل لتحقيق مقاصد الرعاية الصحية..
أما التفتيش في مصير قبول أعمال الآخرين فهو مما لا ثمرة تحته، والواجب الشرعي
يقتضي هنا أن نخلّي بين الناس وربهم؛ فإن كان محسنًا مخلصًا أو تائبًا فالله أكرم
الأكرمين، وإن كان غير ذلك فحسابه على ربه، والمستشفى قد نال نفع المال وحيّد
مفسدته بصرفه للمرضى. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: