كيف نتعامل مع ظاهرة التعصب للدعاة والجماعات؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 37
  • رقم الاستشارة : 4162
18/02/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا شاب حريص على ديني، وأتابع الساحة الدعوية باهتمام، لكن يؤلمني ما أراه من تعصّب شديد لبعض الدعاة أو الجماعات، حتى صار كلامهم عند أتباعهم كأنه الحق الذي لا يُناقَش، والخطأ الذي لا يُغتفَر، بل وصل الأمر أحيانًا إلى تبديع أو تكفير من يخالفهم. هذا الواقع أحدث شروخًا عميقة بين الشباب الملتزم، وأضعف روح الأخوّة، وأربك مسيرة الدعوة. فكيف نتعامل مع هذه الظاهرة بحكمة؟ وكيف نُعيد الميزان العادل في محبة العلماء وتقديرهم دون غلو ولا جفاء؟

الإجابة 18/02/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها الشاب الغيور، وبارك في غيرتك وصدق حرصك؛ فإن إحساسك بخطورة هذا الداء دليل وعي، ونقطة بداية للإصلاح لا للخصومة.

 

ما ذكرته ليس أمرًا عابرًا؛ بل هو من أخطر ما ابتُليت به الدعوة حين يتحوّل الإخلاص من الحق إلى الأشخاص، وحين يُخلَط بين محبة الداعية وتعظيمه، وبين الاتباع المشروع والتقليد الأعمى. وحينها تضيع البوصلة، ويُختزل الدين في أسماء وشعارات، لا في هدي الوحي وروحه.

 

أولًا: فهم الظاهرة قبل مواجهتها

 

التعصّب للدعاة أو الجماعات لا يبدأ فجأة، بل يتسلل في صور متعددة، منها:

* المبالغة في تقدير الداعية حتى يُظن أنه لا يخطئ.

 

* تحويل الخلاف في الرأي إلى خصومة في الدين.

 

* النظر إلى الجماعة وكأنها وحدها الناجية، وما عداها على ضلال.

 

* تضييق واسع، وتشديد في مواضع السعة، وقسوة باسم الغيرة.

 

وأخطر ما في هذه الظاهرة آثارها، فهي:

 

* تمزّق الصف الدعوي بعد أن كان مأمورًا بالوحدة.

 

* تستهلك طاقات الشباب في صراعات داخلية لا تُثمِر.

 

* تنفّر الناس من الدعوة حين يرون أهلها متنازعين.

 

* تُحوّل رسالة الإسلام الجامعة إلى رايات متفرقة.

 

ثانيًا: حقائق إيمانية لا بد أن تستقر في القلوب

 

أول هذه الحقائق: أن العصمة الكاملة ليست إلا لرسول الله ﷺ، فهو الذي لا ينطق عن الهوى، أما غيره -مهما علا قدره- فبشر يصيب ويخطئ، يُؤجر إن اجتهد وأصاب، ويُؤجر إن اجتهد وأخطأ.

 

وثانيها: أن الميزان الذي نزن به الأقوال والآراء ليس الأشخاص ولا الجماعات، بل كتاب الله وسنة نبيه ﷺ. فالحق أوسع من أن يُحتكَر، وأسمى من أن يُربَط باسم واحد.

 

وثالثها: أن العلماء والدعاة يُحَبّون ويُوقَّرون، لا لأنهم معصومون، بل لأنهم دلّوا على الله، وبذلوا أعمارهم في خدمة الدين، ومع ذلك يبقى كلامهم يُعرَض ولا يُفرَض.

 

ثالثًا: لماذا يقع بعض الشباب في هذا التعصب؟

 

كثيرًا ما يكون السبب جهلًا بمنهج السلف في الاختلاف؛ فلو عرف الشباب كيف كان الأئمة يختلفون ويتحابّون، ويتناقشون ويتراحمون، لانكسرت حدّة التعصّب في القلوب، وأحيانًا يكون السبب حماسًا دينيًا غير منضبط؛ حماس صادق لكنه لم يتربَّ على الحكمة، فينقلب إلى غلو، وقد حذّر النبي ﷺ من هذا المسلك فقال: (هلك المتنطعون)، وقد يكون السبب تقليدًا أعمى، وكسلًا عن طلب العلم، فيستريح المرء إلى رأي واحد، ويُغلق أذنه عن غيره، فيظنّ أن الاختلاف خطر، مع أنه سنّة كونية وفقهية.

 

رابعًا: كيف نُعالج الظاهرة دون أن نصنع خصومة جديدة؟

 

إنَّ العلاج لا يكون بالتصادم، بل بالتربية الهادئة، وبناء الوعي:

 

* نُعلّم الشباب أن الاختلاف في مسائل الاجتهاد لا يفسد الإيمان ولا الأخوّة.

 

* نُربّيهم على أن حب الداعية لا يعني إلغاء العقل، ولا تعطيل الميزان.

 

* نغرس فيهم أن الجماعة وسيلة لا غاية، وخادم للدين لا بديل عنه، أما الدعاة أنفسهم، فأعظم ما يُطفئ نار الغلو تواضعهم، ووضوحهم في بيان بشرية آرائهم، وتوجيه الناس دائمًا إلى الله ورسوله، لا إلى أسمائهم.

 

خامسًا: نماذج مضيئة من تاريخنا

 

تأمّل كيف كان الأئمة يختلفون دون أن تتصدّع قلوبهم:

 

ـ تلميذ يخالف شيخه، ويبقى وفيًّا له.

 

ـ إمام يغيّر رأيه حين يتبيّن له الحق، ولا يرى في ذلك نقصًا.

 

ـ عالم يقول بملء قلبه: إذا صح الحديث فهو مذهبي.

 

ـ هذه الروح هي التي صنعت أمة حيّة، لا طوائف متناحرة.

 

وختامًا:

 

- اجعل ولاءك للحق لا للأسماء.

 

- خُذ من الدعاة نورهم، لا عصمتهم.

 

- احفظ قلبك من القسوة باسم الغيرة.

 

- تعلّم الأدب قبل أن تتصدر للجدل.

 

- تذكّر أن الدعوة لا تقوم إلا بوحدة القلوب قبل وحدة الصفوف.

 

ثم إنّ الدعوة يا أخي لا تحتاج إلى أصوات عالية، بل إلى قلوب صافية، وعقول واعية، ونفوس تعرف متى تُنكر، ومتى تُصلح، ومتى تسع الخلاف.

 

ونسأل الله أن يؤلّف بين قلوب العاملين لدينه، وأن يطهر دعوتنا من الغلو والتعصب، وأن يجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.

 

وتذكّر دائمًا: أنَّ الدعوة تُبنى بالرحمة، وتُحفظ بالحكمة، وتنهار حين تُختزل في أشخاص لا في مبادئ.

 

روابط ذات صلة:

أغلال التعصب الرقمي وفتنة الأتباع

والداه متعصبان لأحد الشيوخ.. كيف نُغلِّف النُّصح بالبِر؟

الرابط المختصر :