الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : العلاقة بالقرآن
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
6 - رقم الاستشارة : 6035
05/10/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
عندي سؤال كتير عم يشغل بالي ومسببلي خوف وقلق شديد؛ وقفت عند الآية الكريمة بسورة مريم: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾، وفهمت من ظاهرها المباشر إن كل إنسان، شو ما كان عمله، لازم يدخل جهنم حتمًا ويتعاقب فيها على ذنوبه، وبعدين بيطلع منها ناس وبيخلّد فيها ناس تانيين.
فهل هاد المعنى الظاهر هو المقصود فعلًا؟ وهل الورود المذكور بالآية بيعني الدخول والقعدة فيها للعقاب، ولا إله معنى تاني متل ما بيقولوا بعض المفسرين إنّه هو المرور على الصراط؟
وكيف فينا نجمع بين هاي الآية وبين الآيات التانية يلي بتبشر المؤمنين بالأمان وعدم الحزن يوم القيامة، متل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾؟ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾؟
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وأسأل الله أن يشرح صدرك، وأن
يربط على قلبك، وأن يبدِّل خوفك أمنًا وقلقك طمأنينة وسكينة، وأن يملأ قلبك بحبه
وحسن الظن به، ويجعل القرآن العظيم ربيع قلبك ونور صدرك وجلاء حزنك وذهاب همك،
وبعد...
فإن
وقوفك عند آيات القرآن الكريم وتأثرك بها هو أصل من أصول الإيمان؛ ولكن من المهم
أن نعلم أن الشيطان قد يدخل للمؤمن من باب الخوف من عقاب الله، ليحوله من خوف
محمود يدفع إلى العمل الصالح إلى قلق مرَضي ووسواس يورث الهم واليأس؛ خصوصًا إذا
قُرئت بعض الآيات قراءة ظاهرية دون التعمق في معناها اللغوي الأصيل، وقواعد
التفسير، وفهم الصحابة رضي الله عنهم.
معنى
«الورود» في الآية الكريمة
يقف
كثيرون عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ
حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]، فيتبادر إلى أذهانهم أن الورود هنا يعني الدخول
والتعذيب. وهذا فهم غير صحيح لا لغويًّا ولا شرعيًّا، وإليك التفصيل:
1-
دلالة اللفظ في اللغة: الورود في اللغة العربية لا يعني بالضرورة
الاستقرار أو الدخول للتعذيب، بل يعني المجيء، أو الاقتراب، أو الوصول إلى الشيء
والمرور به.
ومن
شواهد ذلك في القرآن الكريم قوله –تعالى- عن موسى عليه السلام: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ
مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: 23]؛
ومعلوم قطعًا أن موسى عليه السلام لم يدخل في البئر ولم ينزل في الماء، وإنما وصل
إلى موقعه وحضر عنده.
2-
أقوال المفسرين والصحابة في معنى الورود: تعددت أقوال
المفسرين في بيان المراد بالورود في الآية، وكلها تتفق على أن المؤمن لا يعذب
فيها، ومنها:
•
المرور على الصراط: أي أن المراد بالورود هو المرور على
الصراط المنصوب على ظهر جهنم. فالناس جميعهم يمرون فوق هذا الصراط؛ فالمؤمنون
يمرون بسلام وسرعة بحسب أعمالهم، بينما يسقط الكفار والعصاة فيه.
•
الحضور والمعاينة: أي أن يحضر الناس جميعًا حول جهنم
ليشاهدوا هولها وعظمتها، فيعرف المؤمنون قدر نعمة الله عليهم بالإنجاء منها،
فيزدادون شكرًا وفرحًا بما آتاهم الله.
•
الدخول دون ضرر ولا أذى: أي أن ورودها قد يكون بدخولها ولكن دون
أن تؤذيهم، بل تكون عليهم بردًا وسلامًا كما كانت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم
عليه السلام.
وقد
جاء في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه بيَّن أن هذا الورود لا يعني عذاب المؤمنين؛ فعن
أم المؤمنين حفصة -رضي الله عنها- أن النبي ﷺ قال: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ -إِنْ
شَاءَ اللَّهُ- مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ، الَّذِينَ بَايَعُوا
تَحْتَهَا»، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَنَهَرَهَا،
فَقَالَتْ حَفْصَةُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«قَدْ قَالَ اللَّهُ عز وجل: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ
الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾»، فبيَّن النبي ﷺ أن الآية التالية ترفع الإشكال
فورًا؛ فالورود ليس عذابًا، وإنما هو موقف تعقبه النجاة التامة لأهل التقوى.
الجمع
بين آية ورود النار وآيات البشارة والأمان
سألتَ:
كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] وبين
الآيات التي تبشر المؤمنين بالأمان كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ
مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا
وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ
الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ
تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101- 103]؟
والجمع
بينهما يتبين من خلال النقاط التالية:
1-
لا تعارض بين الإبعاد والمرور: معنى ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا
مُبْعَدُونَ﴾ أي: مبعدون عن عذابها، وعن الإقامة فيها، وعن ملامسة حرها وسعيرها،
حتى إنهم لا يسمعون حسيسها (وهو صوت اشتعالها). وهذا لا يتعارض مع مرورهم فوق
الصراط وهم في حماية الله وأمانه، فالمرور فوق النار مع السلامة منها لا ينافي الإبعاد
عن أذاها.
2-
السياق العام لآيات سورة مريم: لا ينبغي قراءة الآية (71) منفصلة عن
الآية التي تليها مباشرة؛ فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا
كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا
وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 71 و72]. فالله تعالى أتبع ذكر
الورود ببيان النتيجة الحاسمة: النجاة المطلقة لأهل التقوى، والترك لأهل الظلم
والشرك. والنجاة تقتضي السلامة والأمان.
3-
تفاوت سرعة المرور بأعمال المؤمنين: بيَّنت الأحاديث
الشريفة كيف يعبُر المؤمنون الصراط بأمان تام؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث
الشفاعة الطويل، قال رسول الله ﷺ: «وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ
جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ... فَيَمُرُّ
الْمُؤْمِنُونَ كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالَّطَيْرِ
وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ،
وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» [رواه مسلم]. فالمؤمن السليم يمر كأسرع ما يكون،
محاطًا بنور إيمانه، ولا يشعر بعذاب ولا خوف يرهقه.
الجمع
بين آية الورود وآية الأمن
قد
يخطر بالبال إشكال آخر عند المقارنة بين آية سورة مريم وقوله –تعالى- في سورة
الأنعام: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ
لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]، كما ذكرتَ في سؤالك، فيتساءل
المؤمن: كيف أكون في أمنٍ تام يوم القيامة بينما يلزمني الورود على جهنم؟
ولفك
هذا الإشكال والجمع بين الآيتين بالفهم الدقيق، أوضح لك الآتي:
1-
المراد بـ«الأمن» ومَن هم أهله: لما نزلت آية سورة الأنعام هذه
شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: «أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟»،
فبيَّن لهم ﷺ أَنَّ المرجع في فهم «الظلم» هنا ليس المعاصي الصغيرة والهنات
العابرة، وإنما هو «الشِّرك»؛ فَقَالَ ﷺ: «لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا
هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ
الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]» [رواه البخاري]. فالمقصود بالأمن في
الآية هو: الأمن المطلق من الخلود في العذاب، والأمن من الفزع الأكبر والإهانة يوم
القيامة، لمن سلم إيمانه من الشرك.
2-
طبيعة الجمع بين «الورود» و«الأمن»: إن الأمن يصاحب
المؤمن أثناء مروره ولا ينفك عنه، فليس معنى الورود أن المؤمن يُسلب الأمان ثم
يُعطاه بعد ذلك؛ بل إن المؤمن يمر على الصراط وهو مُحاط بالأمان الإلهي في كل لحظة
من لحظات العبور. فالأمن هنا ليس مجرد النجاة بعد الخوف، بل هو سكينة وطمأنينة
ونور يحيط بالمؤمن وهو يعبر فوق جهنم؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ
النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم: 8].
ومن
تمام نعمة الله على عباده المتقين أن يروا المكان الذي نجاهم الله منه؛ فالإنسان
لا يعرف قدر العافية التامة إلا إذا شاهد البلاء الذي صُرِف عنه. فعندما يمر
المؤمن فوق جهنم ويستشعر هولها، ثم يرى أمان الله ورحمته تنقذه وتنقله إلى الجنة،
يزداد يقينه بالأمن الذي وعده الله به، ويلهج لسانه بالحمد والثناء قائلًا كما
أخبر القرآن: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ
رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: 34].
كما
أن الأمن الموعود به في سورة الأنعام يمنع أن تنال النار من جسم المؤمن أو تناله
مخاوفها المهلكة، فالورود مجرد عبور وموقع مشاهدة وعبور سلام، كما عبَر إبراهيم u النار فلم تصبه بسوء، وكما يمر أهل الأمان في الدنيا على المناطق الخطرة وهم في
حراسة مشددة ومركبات مصفحة لا يطالهم منها خوف ولا أذى.
فلا
تعارض إطلاقًا؛ فآية سورة الأنعام تحدد الحالة النفسية والقدرية للمؤمن يوم
القيامة وهي (الأمن والسلامة)، بينما آية سورة مريم تحدد المسار والطريق الذي سيمر
عليه الجميع وهو الصراط. والمؤمن يمر في ذلك الطريق وهو يرفل في الأمان، محفوفًا
بنور إيمانه، حتى يصل إلى دار السلام سالمًا معافى.
مقترحات
للتغلب على القلق والوساوس
لكي
تتخلص من هذا الخوف الشديد والقلق الذي يشغل بالك، أضع بين يديك هذه التوصيات:
1-
تحقيق التوازن بين الخوف والرجاء: ينبغي للمسلم أن يعبد الله
بجناحين: الخوف والرجاء، ويحسن الظن بالله دائمًا، ولا يجعل الخوف يطغى عليه حتى
يصل إلى الوسواس، ويتذكر دومًا الحديث القدسي الجليل: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي
بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي» [رواه البخاري].
2-
التركيز على تحقيق التقوى: بما أن الله –تعالى- قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي
الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، فاجعل همك اليومي هو تحقيق التقوى: (أداء الفرائض، تجنب
الكبائر، كثرة الاستغفار والذكر، أداء الحقوق، وتجنب ظلم النفس والناس...)، فمتى
فعلت ذلك فأنت داخل في وعد الله بالنجاة حتمًا.
3-
تدبر ما تقرأ من القرآن: عندما تقرأ آية فيها تخويف أو وعيد، لا
تقف عندها وحدها؛ بل اجمع بينها وبين الآيات المبشرة ونصوص الرحمة؛ فالقرآن يحفل
بهذا، وغالبًا ما يقرن آيات الرحمة والنعيم بآيات الترهيب والعذاب، لكيلا ييأس
إنسان ولا يغتر آخر.
4-
الاستعاذة من الوسواس واللجوء إلى العلماء: إذا شعرتَ بأن
هذه الأفكار تتكرر عليك وتسبب لك ضيقًا أو قلقًا يمنعك من ممارسة حياتك بشكل
طبيعي، فاعلم أن هذا من إشغال الشيطان للمؤمن ليحزنه. فاستعذ بالله من الشيطان،
وأعرض عن هذا الوسواس، واشتغل بما ينفعك، وارجع دومًا للعلماء الراسخين كي يشرحوا
لك ما استعصى عليك فهمه، ليطمئن قلبك.
وختامًا
أخي الكريم، أرجو أن يكون هذا التوضيح قد أزال عن كاهلك ثقل الخوف والقلق، ولتكن
على يقين تام بأن الله أرحم بعباده المؤمنين من الأم بولدها، وأنه I لم يشرع الدين ليشقينـا ولا ليعذبنا، بل ليهدينا ويسعدنا في الدارين.
أسأل
الله أن يثبتنا وإياك بالإسلام حتى نلقاه، وأسأله إيمانًا يباشر قلوبنا، ويقينًا
صادقًا. اللهم اجعلنا من الذين سبقت لهم منك الحسنى، واجعلنا ممن هم عن النار
مبعدون، ولا يسمعون حسيسها، وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون. اللهم أبدل خوفنا
أمنًا، وقلقنا طمأنينة، واجعلنا من عبادك المتقين الذين تنجيهم برحمتك يوم يلقونك،
وصلِّ الله وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة:
ضوابط التفسير الصحيح للقرآن الكريم