كيف يبرر الإنسان سخريته من الآخرين؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : شبهات وردود
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 10
  • رقم الاستشارة : 5766
03/09/2026

كيف يبرر العقل والأخلاق مسألة السخرية من الآخرين فهل هي خلل في تصور الذات عن الآخر؟

الإجابة 03/09/2026

أخي الكريم، لا شك أن السخرية من الآخرين مسلك أخلاقي ذميم وغير مقبول، لكن الأكثر بشاعة في تلك السخرية، هو التصورات والأفكار الكامنة التي يصدر عنها ذلك السلوك، وهو الاستهانة والازدراء بالآخرين واستقباحهم والنظر إليهم كأشياء قليل القيمة، في المقابل النظر إلى الذات بنوع من الاستعلاء والاستحقاقية.

 

لماذا السخرية؟

 

أخي الكريم، السخرية هي: الاحتقار وذكر العيوب والنقائص على وجه يُضحك منه، وهي سلوك مستهجن دينيًّا وأخلاقيًّا، والقرآن الكريم نهى نهيًّا جليًّا عن تلك السخرية، ونشير هنا إلى قوله تعالى في سورة "السجدة" في الآية (7): {الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}، وقد استدل المفسر العراقي الكبير "الألوسي" (المتوفى: 1854م) أن الآية فيها "إرشاد إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يستقبح شيئًا من المخلوقات"، وهو رأي بديع، فعدم السخرية يجب أن تعم جميع المخلوقات، لإدراك المسلم أن تلك المخلوقات هي من صنع الله تعالى، ولا يجوز أن تُعاب صنعة الله أبدًا أو يُسخر منها.

 

ولكن كيف نفسر السخرية من الآخرين؟

 

أخي الكريم، في بعض الأحيان يلجأ الشخص إلى المزاح ليخفي رغبته العميقة في السخرية من الآخرين، ولكن داخل المزاج تكون السخرية جلية واضحة وضوح الشمس، سخرية هدفها تحطيم الآخر أو التقليل من شأنه، أو الرغبة في إثبات الذات على حساب الآخرين، وهذا يعني أن السخرية وراءها دوافع أعمق بكثير من الكلمات الظاهرة.

 

تشير دراسات نفسية إلى أن السخرية في بعض الأحيان قد تكون نتيجة لأزمة الإنسان مع ذاته، فيحاول أن يلفت الانتباه إلى أخطاء الآخرين ونقاط ضعفهم من خلال السخرية حتى يشعر بالتفوق المؤقت الذي يُمكنه من استعادة الثقة بنفسه إلى حين، ويؤكد علم النفس أن ذلك التقدير الناتج عن السخرية هو ثقة هشة للغاية لأنها مبنية على المقارنة وليس على تقدير حقيقي للذات.

 

من دوافع السخرية أن الشخص في تحصيله للشعور الموهوم بالتفوق يجد أن السبيل الأسهل هو السخرية من الآخرين، ظنًّا منه أن تكرار السخرية، سيجعله يحظى بالتقدير والاهتمام من خلال إشعار الآخرين بالدونية، وهذا الشعور يسميه البعض بـ"الوهم النرجسي"، حيث يميل الناس إلى تحويل من يختلفون معهم إلى مجرد أشياء، بدلًا من النظر إليهم كبشر يستحقون التواصل والتفاعل.

 

ومن دوافع السخرية السعي لتحقيق القبول الاجتماعي، على اعتبار أن الاستهزاء بالآخرين والسخرية منهم يضحك الجميع ويحقق له القبول الاجتماعي باعتباره شخصًا قادرًا على إضحاك الناس، ومع تكرار الفعل تتحول السخرية إلى قسوة مفرطة في إظهار نقاط ضعف الآخرين أو عيوبهم.

 

والحقيقة أن الفلسفة الأخلاقية تنظر للسخرية من الآخرين على أنها انتهاك لحق الإنسان في التقدير والاحترام، وأنها أداة للكراهية؛ لذا رآها بعض الفلاسفة أنها رذيلة الازدراء، فمثلاً الفيلسوف "افلاطون" رأى أن السخرية خطاب مُخرب ومُغذ للانفعالات الهابطة التي تعارض التعقل وتفسد المدينة الفاضلة التي كان ينشدها، وذكر الفيلسوف الشهير ديكارت أن الضحك في سياق السخرية ينبع من شعور خبيث بالتفوق.

 

أما الفلسفة الأخلاقية الإسلامية فترى السخرية كإحدى رذائل اللسان والقلب معًا، إذ تقوم الفلسفة الأخلاقية الإسلامية على مبدأين أساسيين يتناقضان تمامًا مع السخرية: حفظ الكرامة الإنسانية المتساوية، وتطهير الباطن أي القلب من الكبر؛ لأن السخرية لا تنشأ إلا عن الكبر واستصغار الآخرين، والاعتداء على كرامتهم.

 

موضوعات ذات صلة:

هل تشارك منصة إكس في الكراهية للإسلام؟

خطاب الكراهية دوافعه وتأثيراته

ما أفكار اليمين المتطرف؟

كيف ينتج التشييء العنف والاضطهاد؟

التعليقات

الرابط المختصر :