ما هو التحيز وخطورته على الفكر الإنساني؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : مفاهيم
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 153
  • رقم الاستشارة : 3573
14/12/2025

التحيز مشكلة بحثية وفكرية وإنسانية تؤثر على الأفكار والسلوك.. فما هو التحيز؟ وهل يستطيع الباحث أن يقاوم نزعة التحيز؟

الإجابة 14/12/2025

أخي الكريم، سؤالكم يفتح جرحًا إنسانيًّا وفكريًّا وبحثيًّا، وهو مسألة الانحياز لطرف أو فكرة أو رأي ضد طرف الآخر دون امتلاك الحق أو امتلاك الدليل، وهذا التحيز لا شك أنه نقيض للعدل، وهو أحد مؤشرات الظلم والجور وغياب الإنصاف.

 

وقد حذّر القرآن الكريم من هذا التحيز، وجعله من مسببات ابتعاد الإنسان عن طريق التقوى التي هي صميم الإيمان، فقال تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ﴾ (المائدة: الآية 8)، يقول الإمام الفخر الرازي في تفسيره "الكشاف": "أمر الله تعالى جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحدًا إلا على سبيل العدل والإنصاف، فنهاهم أولاً عن أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدًا وتشديدًا، ثم ذكر لهم علة الأمر بالعدل وهو قوله ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾".

 

ما هو التحيز؟

 

يوصف التحيز بأنه هو جوهر الانحراف عن الموضوعية، وهذا الانحراف يشمل المجالات الإنسانية والعلمية والمنهجية والاجتماعية، وغيرها من المجالات، ولذا فالتحيز يشمل كل مجال للإنسان فيه رأي أو رؤية أو موقف.

 

وقد شغل مفهوم التحيز مكانًا معتبرًا في المشروع الفكري للدكتور عبد الوهاب المسيري، فأكد أن "كل شيء في حياة الإنسان من حركات وأفعال وسلوكيات وكلمات وحوادث وإشارات وغيرها، له دلالة، وأن كل ما هو إنساني له بعد ثقافي وحضاري وتعبير عن نموذج".

 

والنموذج المعرفي هو تلك الرؤية الكلية التي تحدد للإنسان مجال رؤيته لذاته وللكون المحيط به وتوجهه،  فوراء كل نموذج بعد معرفي لا يمكن استبعاده أو تجاوزه، ويتمثل هذا البعد في معايير النموذج الداخلية التي تتكون من معتقدات وفروض ومسلّمات وإجابات عن أسئلة كلية ونهائية، تشكل جذوره الكامنة وأساسه العميق.

 

خصائص التحيز:

 

* فطري إنساني: ومعنى هذا أن التحيز لا يمكن فصله عما هو إنساني، فلا يوجد تجرد كامل، فالمنظور الداخلي له دور رئيسي في فهم الإنسان لما حوله وفي تطبيقه للمنهجيات المختلفة، فالتحيز جزء من الطبيعية الإنسانية لا يمكن نزعه من عقل الإنسان وتفكيره وتقييمه للأمور، وانتفاء التحيز هو من صفات الخالق سبحانه وتعالى، فالجميع عنده سواء؛ ففي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم: "إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأعْمَالِكُمْ".

 

* مكتسب: التحيز بجانب كونه فطريًّا إنسانيًّا، إلا أن وجهه الآخر مكتسب من روافد متعدة من البيئة الاجتماعية، مثل: المعتقدات والأوضاع الاقصادية والسياسية والعرق الذي ينتمي إليه الشخص، التعليم.

 

خطورة التحيز:

 

مخاطر التحيز متعددة، نذكر منها:

 

- الانحراف عن العقلانية: تشير دراسات إلى أن التحيزات المعرفية والعاطفية لها تأثيرات سلبية على عملية اتخاذ القرار، فالتحيز يعتمد على الحدس (والحدس يعني الاعتماد على فهم الأمور من خلال المشاعر الداخلية أو الخبرات المتراكمة، حيث يلعب اللاشعور دورًا مركزيًّا في الحدس). المهم في الأمر أن أبحاث في علم النفس المعرفي تؤكد أننا نقضي (95%) من وقتنا في الأسلوب الحدسي، حيث نتوقع أن تأتي الأحداث القادمة على غرار الأحداث السابقة، ولا نعتمد التفكير العقلاني والتحليلي إلا قليلاً.

 

وحتى في عالم الاقتصاد تلعب التحيزات تأثيرًا في عملية اتخاذ القرارات، وهو ما أكده "دانيال كانيمان" الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، حيث أكد أن الأحكام والقرارات غالبًا ما تستند إلى تحيّزات وأحكام مسبقة وافتراضات خاطئة، مما يحول دون تمكّن المهني من التصرّف وفقًا لأفضل ممارسات المهنة.

 

- هدر الموارد: من الأخطاء الناجمة عن التحيز، هو هدر الموارد، حيث تُوجه الموارد حسب الرغبات وليس حسب الحاجة والمصلحة، وهو ما يجعل الموارد لا تُوظف التوظيف الأمثل، ولذا تتعرض لهدر، كما أن الأبحاث التي تخضع للتحيز تشكل هي الأخرى هدرًا للموارد؛ لأنها توجه الطاقات البحثية للحصول على نتائج معينة أو لخدمة أغراض معينة.

 

- التعصب: هناك الكثير من أوجه الشبه بين التحيز والتعصب؛ لأنهما قائمان على التفضيل الذاتي لشخص أو جماعة تبعًا لعلاقة الانتماء أو العرق أو اللون، لكن التحيز قد يسبق التعصب، أو قد يكون مدخلاً للوقوع في فخ التعصب الذي سيقود إلى الكراهية والعنف في كثير من الأحيان، ويشترك التعصب والتحيز في أنهما يصدران الأحكام ويتخذان المواقف بناء على الأهواء والآراء الشخصية والعواطف، وتشير دراسة في القانون الجنائي إلى أن التعصب والتحيز يمارسان بشكل كبير ضدّ المتهم بناءً على لون بشرته، أو عمره، أو عرقه، أو جنسه، أو حتى لمجرد نوع ملابسه.

 

روابط ذات صلة:

كيف أتخلَّص من التعصُّب الكروي وأستعيد حياتي؟

ما أفكار اليمين المتطرف؟

خطاب الكراهية دوافعه وتأثيراته

العنصرية من أين تستمد أفكارها؟

الرابط المختصر :