الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
13 - رقم الاستشارة : 4967
02/06/2026
بخصوص التكبير المقيد بعد الصلوات، إذا نسيته ثم تذكرته بعد خروجي من المسجد، هل أقضيه أم فات محله؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فمرحبًا
بكم أخي العزيز، وإن شعيرة التكبير في أيام التشريق والأعياد من أعظم القربات التي
يتقرب بها العبد إلى ربه تذكيرًا بفضله وشكرًا لنعمته، ومن صورها "التكبير
المقيد" الذي يشرع عقب الصلوات المكتوبة. ونظرًا لأن السهو والنسيان من طبيعة
البشر، فقد وضع الفقهاء أحكامًا واضحة تضبط العبادات في حال الغفلة عنها، تيسيرًا
على المكلفين ورفعًا للحرج عنهم.
اختصارًا: إذا نسي المصلي التكبير المقيد عقب الصلاة
المكتوبة وتذكره بعد خروجه من المسجد، فقد فات محله ولا يقضيه عند جمهور العلماء
من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وهو المشهور عند المالكية، وذلك لأن التكبير
المقيد تابع للصلاة ومرتبط بمكانها وزمانها ارتباطًا وثيقًا، فإذا وقع الفصل
الطويل أو خرج المصلي من المسجد انقطعت التبعية. وفي قول آخر عند بعض المالكية
والحنابلة أنه يكبر ما دام في الوقت ولم يحدث، لكن المعتمد والمنصوص عليه في
المذاهب الأربعة هو سقوط التكبير بالخروج من المسجد أو طول الفصل.
آراء
العلماء:
المذهب
الحنفي
يرى
الحنيفة أن التكبير المقيد يسقط ويفوت بطلوع الوقت، أو بالخروج من المسجد إذا كان
المصلي مأمومًا، أو بحديثه بكلام أجنبي.
جاء
في حاشية ابن 2/ 178: "وقيل: يقطع التكبير بسبق الحدث، وبالخروج من المسجد
للمؤتم، وبكلامه عمدًا خلا خطبةً وجنازةً، فلو سلم فقام وخرج من المسجد أو تكلم لم
يكبر لفوات المحل".
المذهب
المالكي
المشهور
عند المالكية أن التكبير المقيد يفوت بطول الفصل أو الخروج من المسجد، وجاء في قول
آخر أنه ما دام في الوقت، لكن الاعتماد على فواته بالفصل والابتداء في عمل آخر.
جاء
في المدونة الكبرى للإمام سحنون 1/ 243 عن الإمام مالك: "قُلْتُ: أَرَأَيْتَ
إنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ حَتَّى قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ أَوْ
انْصَرَفَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ قَرِيبًا كَبَّرَ، وَإِنْ تَبَاعَدَ
فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَدْ مَضَى".
المذهب
الشافعي
يذهب
الشافعية إلى أن التكبير المقيد سنة تابعة للصلاة، وتبطل التبعية بطول الفصل عرفًا
أو بالخروج من المسجد، فإذا تذكره بعد ذلك لم يقضه.
جاء
في المجموع شرح المهذب للإمام النووي 5/ 36: "إذا نسي التكبير عقب الصلاة ثم
ذكر في زمن قريب كبر، وإن طال الفصل لم يكبر. وهل يشترط في القرب ألا يخرج من
المسجد؟ فيه وجهان أصحهما: لا يشترط، بل المعتبر القرب الزمني عرفًا... فإن طال
الفصل أو انصرف وتباعد فات محله فلا يقضيه لأنه سنة فات محلها".
المذهب
الحنبلي
يرى
الحنابلة أن التكبير المقيد يفوت إذا انصرف المصلي من المسجد، أو إذا أحدث، أو إذا
تكلم بكلام أجنبي، أو طال الفصل عرفًا.
جاء
في المغني للإمام ابن قدامة 2/ 247: "فإن نسي التكبير، كبر ما دام في المسجد
ولم يحدث، فإن خرج من المسجد، أو أحدث، لم يكبر. وقال القاضي: إن تكلم لم يكبر...
ولنا أنه تكبير مشروع خلف الصلاة، ففات بالخروج من المسجد، كسجود السهو".
الفتاوى
الحديثة والمعاصرة
أفتت
دور الإفتاء المعاصرة ومنها اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية،
ودار الإفتاء المصرية بما وافق الجمهور؛ وهو أن التكبير المقيد يفوت محله بطول
الفصل أو بالخروج من المسجد، ولا إثم على من نسيه.
جاء
في فتاوى اللجنة الدائمة المجموعة الأولى، 8/ 313: "التكبير المقيد يكون دبر
الصلوات المكتوبة، فإذا نسيه المصلي وطال الفصل أو خرج من المسجد فقد فات محله،
ولا يقضيه، ولا حرج عليه لقوله ﷺ:
عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ".
القواعد
الفقهية الحاكمة:
•
قاعدة "التابع تابع، ولا يفرد بالحكم": بما أن التكبير
المقيد "تابع" للصلاة المكتوبة ومقيد بها، فإن حكمه يدور معها وجودًا
وعدمًا من حيث الاتصال الزمني والمكاني؛ فإذا انقطعت التبعية بالخروج من المسجد أو
طول الفصل، سقط التابع بفوات متبوعه.
•
قاعدة "العبادات المؤقتة تفوت بفوات وقتها ومحلها": التكبير المقيد عبادة حدد الشارع لها محلًا مخصوصًا وهو دبر الصلاة المكتوبة، فإذا
تباعد الزمن أو تغير المكان بالخروج، انقضى المحل المعين لها، وما فات محله من
السنن الرواتب التابعة لا يُقضى إلا بدليل، ولا دليل هنا.
•
قاعدة: "المشقة تجلب التيسير" و"النسيان مسقط للأثر": بما
أن ترك التكبير كان عن نسيان، فإن الإثم مرتفع عن المكلف بنص الشارع، ولا يطالب
العبد بتكلف العبادة وقضائها في غير محلها رفعًا للحرج والمشقة.
ولا
شك أن في التكبير المطلق مندوحة وكفاية، فقد شرع التكبير في العيدين ومن بعد عصر
يوم عرفة، وأيام التشريق في كل مكان وزمان، فمن نسي التكبير المقيد فله أن يكثر من
التكبير المطلق، والله كريم بعطائه، شملني الله وإياكم برحمته وعفوه. والله تعالى
أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
تكبيرات العيد عقب الصلوات المفروضة سنة أم بدعة؟