هل يساهم الإعلام في نشر السطحية والضحالة الفكرية؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 17
  • رقم الاستشارة : 5402
23/07/2026

هل يساهم الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في نشر الضحالة والسطحية في المجتمع في الوقت الراهن، وكيف يمكنني أن أحمي عقلي وتفكيري من هذه الخفة والسطحية

الإجابة 23/07/2026

أخي الكريم، أتفق معك أن الكثير من وسائل الإعلام والمحتوى الإعلامي، يقف وراء بعض مظاهر السطحية والضحالة الفكرية التي نلمسها في حياتنا اليومية؛ فالمحتوى الهادف والعميق والمفيد أصبح نادرًا في الإعلام، ويعلل البعض ذلك بعبارة فضفاضة هي أن "الجمهور يريد ذلك"، وأن على وسائل الإعلام أن تلبي تلك المطالب حتى يكون لها حضور جماهيري، وربح مادي.

 

لماذا يفضل الإعلام السطحية؟

 

أخي الكريم، هذا السؤال ضروري لفهم الدوافع الكامنة وراء تفضيل وسائل الإعلام للسطحية على العمق والجدية فيما تنشره على صفحاتها ومواقعها الإلكترونية، فقد حدثت تطورات في بنية المؤسسة الصحفية الصانعة للمحتوى الإعلامي، فمع تراجع مبيعات الصحف المطبوعة، تقلص عدد الصحفيين والإعلامين المحترفين في صناعة المحتوى، ومع التحول للنشر الرقمي، أصبحت كمية الأخبار والمواد الإعلامية التي تبث سريعة وعاجلة، وهنا أخذت مبادئ الصحافة والإعلام تتآكل تدريجيًّا، بما في ذلك المؤسسات الإعلامية العريقة وذات المصداقية، وبات التنافس حول سرعة النشر وليس حول المصداقية والجودة والعمق.

 

ويلاحظ –أيضًا- أن تلك السرعة والرغبة في ملاحقة ما يجري، دفع الكثير من وسائل الإعلام للجوء للإثارة حتى وإن كانت ضد بعض أجزاء الحقيقية في المحتوى، وأصبحت الإثارة هي الدافع الكامن وراء النشر حتى وإن كانت تنقصها الدقة؛ لذا وجدنا هذا الكم الغثائي من المواد الإعلامية ذات المحتوى الضعيف وغير الدقيق وربما غير الصادق، فجاء تضخيم الإنتاج على جودة المحتوى، وأصبحت الصحافة السريعة هي الأساس.

 

وجاء مع التغير في طبيعة المؤسسات الإعلامية، تغير مواز في طبيعة الصحفيين والإعلاميين، الذين لم يتشرب بعضهم المبادئ التقليدية وأخلاقيات المهنة بشكل جيد، ولم يتلقوا تدريبًا جيدًا، ووقعوا تحت ضغط السرعة ومواكبة الحدث، وإجادة أساليب الإثارة وابتكار القصص الإخبارية.

 

تشير دراسات نفسية إلى أن مشكلة الأخبار والمواد الإعلامية السريعة أنها تدرب الدماغ وتعوده على معالجة المعلومات السريعة والعابرة، وهذا يقلل من فرص التفكير العميق والتأملي والتحليل النقدي؛ ففي دراسة نشرت نوفمبر عام 2025م بعنوان "هل تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي على قدرتنا على التفكير النقدي؟"، خلصت إلى عدة نتائج، منها:

 

* أن منصات التواصل الاجتماعي غيّرت جذريًّا طريقة اكتسابنا للمعلومات وتفسيرها ونشرها، فقد صممت في بدايتها كوسيلة للتواصل، لكنها تحوّلت إلى أنظمة معقدة لا تؤثر فقط على ما نفهمه؛ بل أيضًا على طريقة تفكيرنا.

 

* أن منصات التواصل الاجتماعي تتجاوز آثارها مجرد التصفح العابر؛ إذ تتغلغل في صميم كيفية تقييمنا للأدلة، وتكوين أحكامنا، واتخاذ قراراتنا في كل من السياقات المهنية والأكاديمية.

 

* أن الخوارزميات في مواقع التواصل الاجتماعي تؤثر على تفكيرنا النقدي؛ لأنها تعزز تحيزاتنا المعرفية، فهي تقنعك بما أنت مقتنع به، وتوفر لك معلومات وأخبار تؤيد تحيزك، وتقترح عليك أصدقاء وصفحات يتقاطعون معك فيما تؤمن به، ومع كثافة المتابعة يتآكل التفكير النقدي.

 

* أن نمط الإشباع الفوري الذي صممت عليك منصات التواصل الاجتماعي ينشط مركز المكافأة في المخ، ولهذا يصبح كل إشعار من هواتفنا وسيلة للحصول على مكافأة، وهو إضعاف للتفكير النقدي.

 

* أن التصفح المستمر للمحتوى القصير يُدرّب الدماغ على السعي وراء المكافآت السريعة والفورية، مما يجعل التركيز على المهام الأكثر تعقيدًا أكثر صعوبة.

 

* الميل إلى قبول المعلومات دون فحص كافٍ.

 

كيف أقاوم منطق السطحية في الإعلام؟

 

أخي الكريم، سؤالكم هذا يسير عكس التيار السائد في الإعلام، حيث الاستهلاك المفرط واللاواعي في كثير من الأحيان لما ينشر، ولكن بناء عمق فكري وقدرات على التحليل والنقد يتطلب أن تتعلم مهارات التفكير النقدي، والانفتاح الذهني، وأن تغذي عقلك دومًا بالرغبة في حب الاستطلاع، وتحري صدقية المعلومات، وأن تجيد فهم العلاقات التي تربط بين الأخبار، وأن تتبع النصيحة القديمة التي تقول: "يجب على المرء أن يفحص الافتراضات والأدلة باستقلالية قبل الوصول إلى استنتاجات سليمة".

 

موضوعات ذات صلة:

هل الذكاء الاصطناعي يضعف التفكير النقدي؟

كيف يمكن تنمية ملكة التفكير النقدي؟

الضحالة الفكرية لماذا انتشرت بين الشباب؟

هل ثقافة الاستسهال تعيق النهوض الحضاري؟

ما هو دور الإعلام في تزايد حالات الانتحار؟

الرابط المختصر :