الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : العائلة الكبيرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
14 - رقم الاستشارة : 5079
15/06/2026
السلام عليكم ورحمة الله.. أرجو النصيحة الصادقة.. والدي لم يكن له حضور طوال حياتي تقريبًا، لأفاجأ بظهوره مرة أخرى في حياتي بعد أن جاء طرف يعيد العلاقات.
كنت أتعامل معه بأفضل طريقة ممكنة، لكن رغم ذلك فإن تعامله... لا أدري كيف أصفه، لكنه ليس بتعامل يصدر من شخص مستقر نفسيًّا فتارة يُظهر لي الحب الأبوي والتعاطف والاهتمام والدعم، وتارة يعاملني بجفاء ونرجسية، كأني ألد أعدائه.
كنت أعذره لأنه لم يتلقَّ تربية جيدة، وأهله لم يكونوا أناسًا أسوياء نفسيًّا، وهو مصاب بمرض السكري وكبير في العمر ووحيد، وقد مرَّ بالعديد من الصدمات والأزمات في حياته، ولكن معاملته كأنها تخطت الحد فهو لا يُظهر تعاطفًا غالبًا (لا أدري إذا كان يتعاطف ويخفي الأمر أم لا يستطيع الشعور بهذا أساسًا، وحتى حين يظهره أخشى أن يكون تلاعبًا منه)، ونتيجة لهذا يقوم بأشياء مؤذية نفسيًّا جدًّا لمن حوله، ولا يضع اعتبارًا لدين أو أخلاق أو عُرف.
يتلاعب للحصول على ما يريد، ومدمن لعقلية الضحية وإلقاء اللوم على الجميع باستثناء نفسه، ويستخدم هذا لتبرير أفعاله المسيئة. لديه بارانويا بأن الجميع ضده ويكيدون له المكائد، ويقدس نفسه، وإذا جرحت هذا التقديس بغير قصد فالنتيجة تكون كارثية، حيث ينهال بأفظع الإهانات (رغم أني أعامله باحترام، ولكنه يسيء الفهم نظرًا لعقده النفسية) ولا يقدر سلامة غيره، فيحب لنفسه ما لا يحبه لغيره، بل ويطلب مني افتعال مشاكل مع أناس مسلحين قد يقتلونني.
المشكلة أن الابن يكون لديه توقع فطري مسبق بأن والده هو مثله الأعلى وأفضل شخص، ولطالما كنت أظن ذلك طوال حياتي حتى قبل لقائه، ولكني الآن متألم أشد الألم جراء تلك الحقيقة المرة التي اكتشفتها عنه إنه مريض بأسوأ مرض نفسي في نظري، فسائر الأمراض النفسية يذهب أصحابها للعلاج ويتعالجون، أما والدي فلديه اكتئاب وقلق ورعب وصدمات داخله، كعادة المصاب بابتلاء النرجسية، ولا يذهب للعلاج، ولا أظنه سيفعل، وغالبًا سيأخذ هذا العذاب المقيم معه إلى القبر وهو طبعًا لا يُظهر لي ألمه، فأنا عرفت هذا لأن المقربين منه أخبروني سرًا.
وأنا الآن مخير بين خيارين: الأول: الإبقاء على علاقتي معه، ولكن بشكل محدود، فأحادثه مرة في الشهر، وأضع حدودًا لعدم إيذائي جسديًّا، أما نفسيًّا فلن أستطيع أن أضع لذلك حدًّا، فهو يتعامل بقذارة ودناءة، وقد يقول كلامًا يؤذي نفسيًا إلى أبعد الحدود. إنه يستنزفني نفسيًّا، والعلاقة معه جحيم، لدرجة أن الجميع تركه ليصبح وحيدًا.
والثاني: قطع العلاقة، وأنا لن أخسر شيئًا، فأنا غير معتمد عليه، ولكن الإشكالية كلها تقع على عواطفي، وهي أساس اتخاذي لقراراتي؛ فأخاف أن أتخذ الخيار الثاني فأكون قد اتخذت الخيار السهل الأناني الظالم، الذي سأندم عليه مستقبلًا، وأعاتب نفسي بسببه، ولن أسامح نفسي لأني تركت والدي المريض يعاني وحده.
وأخاف أن أتخذ الخيار الأول فأكون مغفلًا وقع في تلاعبه، وأنه لا يملك أي مشاعر تجاهي كابن، بل يريد فقط استغلالي (فهناك أشياء تجعله قادرًا على تحقيق مصلحة كبيرة من خلالي)، وأنا صدقت أكذوبته بأنه يريد الإبقاء على علاقته بابنه بسبب تعاطفي الشديد ونقص خبرتي بالبشر نتيجة لصغر سني.
كما أنني أعاني نفسيًّا دون داعٍ، فأنا بعد كل تواصل معه، وحتى إن عاملني باحترام، أشعر بألم نفسي شديد؛ لأنه أخطأ كثيرًا في حقي، خصوصًا أنه اتخذ الخيار السهل وذهب وتركني وأنا طفل، لأكبر في بيئة غير آدمية جعلتني مضطربًا نفسيًّا حتى الآن والفيصل هنا أنني لا أعرف حقيقة نواياه، فهو شخص غريب عني، ولا أعرفه حق المعرفة، بل إنه يكتم ما في قلبه، وما يظهره لا أدري إن كان حقيقة أم تلاعبًا واستغلالًا لمشاعري.
وأخاف أن تكون إساءته لي بسبب طبيعة مرضه وليست إرادية، فأكون قد ظلمته، وأخاف أكثر أن تكون الإساءات متعمدة منه، لا علاقة لها بمرضه، وأن أكون قد خُدعت نتيجة لتعاطفي المفرط.
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك ابني الكريم في موقعك بوابة
الاستشارات الإلكترونية.
أنا
متفهمة لكل ما تشعر به وكل ما يدور في عقلك من حسابات.. وأتفهم إحباطك بعد طول هذه
السنوات فلم تجد صورة الأب النموذج ولم تجد الأب الداعم ولم تجد الأب الذي تستند
عليه.. أنت وجدت الأب الذي تخلى قديمًا وأنت طفل صغير وعاد ليستغلك كما تعتقد وحتى
لحظات التعاطف الشحيحة التي تجدها عنده أنت تتشكك فيها، وكثيرًا ما تتساءل بينك
وبين نفسك هل أنا أتعرض للخديعة مع هذا الرجل الذي لا تشعر في قرارة نفسك أنه
والدك.
لذلك
وجدت نفسك في نهاية المطاف واقفًا أمام واحد من خيارين أن تحافظ على علاقتك به مع
وضع الحدود أو أن تقطع علاقتك به نهائيًّا، والحقيقة أنك لست مخيرًا يا بني كما
تتصور؛ ففي ديننا لا يمكن أن نقوم بقطع الصلة مع الوالد مهما ارتكب من ذنوب أو
موبقات في حق نفسه أو في حقنا أو حتى في حق الله عز وجل {وَإِن جَاهَدَاكَ
عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ
وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.
الرحمة
والإحسان بالوالدين
الشباب
في الثقافات الأخرى وفي الأديان الأخرى قد يقومون بمقاطعة أحد والديهم لأسباب أقل
كثيرًا مما تعايشه؛ لأن تقييم العلاقة يتم بناء على حسابات دنيوية عقلية كانت أم
عاطفية، أما أنت كمسلم فتعتبر ما يحدث معك هو ابتلاء شديد من الله لا بد من الصمود
والصبر في التعامل معه، خاصة عندما يكون أحد الوالدين في المرحلة العمرية التي
يعيشها والدك {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ
أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا
وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ
الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} الإحسان الذي
تصل فيه الرحمة حد الذل درجة ليست سهلة وتحتاج من الجهاد النفسي الكثير.
يا
بني، أنت لست مضطرًا أن تقف ضد مشاعرك التي تتحرك بين الحين والآخر نحو والدك،
ولست بحاجة أن يقوم عقلك بدق جرس الإنذار وأنك قد تتعرض للخديعة وأنه يتم التلاعب
بك.. يكفيك فقط ألا تستمع لكلامه وتوجيهاته الخاطئة كأن تتشاجر ونحو ذلك وتترك ما
تبقى من مشاعرك التي تتعاطف معه قائمة كرجل مسن مريض تعرض في حياته لكثير من
الصدمات حتى الاكتئاب والقلق، هذه أمراض ينبغي ألا يقل تعاطفك نحوها عن إصابته
بالسكري.
علم
النفس الشعبي
ابني
الكريم، لقد وصفت والدك بأوصاف كثيرة وشخصته بكثير من الأمراض النفسية التي هي
بحاجة لطبيب نفسي متخصص أو معالج نفسي محترف حتى يتم إقرارها، فمع انتشار ثقافة
علم النفس عبر منصات التواصل ومحاولة الخبراء تبسيط المفاهيم للجمهور، وعلى الرغم
من أن ذلك صنع ثقافة نفسية جيدة للجمهور، فإنه أيضًا جعل من تشخيص الاضطرابات
النفسية مسألة هينة لينة وكلمات تُلقى جزافًا هنا وهناك.
والدك
تعرض لصدمات كثيرة في حياته (بحسب ما سمعته أنت وعرفته)، ولكن هذا لا يبرر
تشخيصاتك التي ذكرتها في سطور رسالتك فأنت وصفته أنه مريض بارانويا.. وصفته أنه
نرجسي وأن لديه قلقًا واكتئابًا والكثير من الأوصاف الأخرى مثل التلاعب وعدم
التعاطف والخداع، وهذا كله ضاعف من شعورك بالنفور منه.. كلمات ثقيلة مثل علاقة
مؤذية وعلاقة سامة مع شخص نرجسي بلا تعاطف يتلاعب بي كفيلة أن تجعلك شديد التحسس
من كل كلمة يقولها وتجعلك ترى أخطاءه مضاعفة في مرآة مكبرة، بينما لو اكتفيت
بالجزء الظاهر من سلوكه تجاهك أنت فقط دون تحليل أو تأويل فستجد أن وقعها عليك أقل
وطأة.
ابني
الكريم، إن كنت لا تستطيع أن تقيم علاقة طبيعية تمامًا تقوم على الإحسان لوالدك
المسن فعلى الأقل لتكن علاقة الحد الأدنى حيث لا عقوق لهذا الوالد.. التواصل
الشهري معه يمثل الحد الأدنى الذي عليك أن تلتزم به، وما تشعر به بعد ذلك من
اختناق وضيق نفسي تتم معالجته بكثرة الصلاة والذكر حتى تحدث تهدئة نفسية.
آخر
نقطة وأهم نقطة هي وصفك لنفسك أنك مضطرب نفسيًّا بسبب البيئة التي نشأت فيها، ولست
أدري هل سعيت أنت للتعافي النفسي أم لا؛ لأنك لن تستطيع تقديم الدعم وأنت غير
مستقر نفسيًّا.. إذا كنت تعاني من الاضطراب النفسي فطبيعي جدًّا أن تكون متحسسًا
من شخصية والدك وغير قادر على التعاطي معه بإيجابية.
اهتم
بصحتك النفسية يا بني من أجل نفسك أولا ومن أجل مستقبلك القادم كله وحتى لا تبقى
رهينة للماضي وتبعاته.. يسر الله أمرك وأسعدك قلبك، وتابعني بأخبارك دائمًا.
روابط
ذات صلة:
أكره أمي وأبي.. مراهق ووقفة مع النفس!!