الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : المراهقون
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
7 - رقم الاستشارة : 5448
28/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا خال لشاب يبلغ من العمر سبعة عشر عامًا، وأعتبره مثل ابني، لأنه تربى معنا سنوات طويلة بسبب سفر والده.
منذ صغره وهو مجتهد، لكنه يختلف عن بقية الشباب في شيء يحيرني.
فهو إذا حصل على 98%، يغضب لأنه لم يحصل على 100%.
وإذا فاز بالمركز الثاني في بطولة رياضية، يعود إلى البيت حزينًا، وكأنه خسر البطولة كلها.
وفي إحدى المرات فاز بجائزة في مسابقة للبرمجة، فقلت له: "مبروك يا بطل"
فقال لي: "لو كنت نظمت وقتي أكثر لكنت حصلت على المركز الأول".
حتى عندما يمدحه الناس، يرد عليهم بقوله: "أنتم لا تعرفون أخطائي".
ولا يتذكر أي نجاح حققه، لكنه يتذكر بالتفصيل كل موقف أخفق فيه منذ سنوات، لدرجة أنه يصيبني بالاكتئاب.
والأغرب أنه لا يسمح لنفسه بالراحة.
فإذا انتهى من امتحان، يبدأ فورًا في التفكير في الامتحان التالي.
وإذا انتهى من مشروع، يبحث مباشرة عن مشروع أصعب.
وأصبحت ألاحظ أنه لا يعرف معنى الرضا، ولا يستمتع بأي إنجاز يحققه.
وعندما قلت له: "لماذا لا تفرح بنفسك قليلًا؟".
قال لي: "إذا رضيت عن نفسي، سأتوقف عن التقدم".. فهل هذا التفكير صحيح؟ وكيف نساعده قبل أن يرهق نفسه؟
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم..
لفت
انتباهي في رسالتك أن هذا الشاب لا يعاني من ضعف الطموح، بل ربما يعاني من شيء
أخطر، ألا وهو حرمان نفسه من الشعور بالإنجاز.
وهناك
فرق كبير بين الإنسان الطموح، والإنسان الذي لا يسمح لنفسه أبدًا أن يشعر بالرضا، وسوف
أشرح لك ذلك:
أولًا:
الطموح الصحي يختلف عن جلد الذات..
في
علم النفس نفرق بين: Healthy
Achievement Motivation أي دافعية الإنجاز الصحية، وبين Maladaptive
Perfectionism أي الكمالية غير التكيفية.
فالأول
يدفع الإنسان إلى التطور مع الاحتفاظ بسلامه النفسي. أما الثاني فيجعله يشعر أن أي نجاح ناقص لا
يستحق الاحتفال. وهنا يصبح النجاح محطة عابرة، بينما الفشل هو
الذي يحتل الذاكرة.
ثانيًا:
لماذا لا يرى إلا أخطاءه؟
لأنه
وقع فيما يسمى: Mental
Filter أي الفلتر الذهني. وهو أحد التشوهات المعرفية، حيث يركز العقل على
الجزء السلبي من الصورة، ويتجاهل بقية الصورة.
فهو
يرى السؤال الذي أخطأ فيه، ولا يرى تسعة وتسعين سؤالًا أجاب عنها بإتقان.
ثالثًا:
أخطر جملة قالها..
وأكثر
ما أقلقني قوله: "إذا رضيت عن نفسي، سأتوقف عن التقدم"،
وهذه حقيقة وقناعة لكن تحتاج إلى تصحيح. فالرضا عن الجهد لا يعني التوقف عن التطور.
بل
إن الإنسان الذي يشكر نفسه على ما أنجز، يكون غالبًا أكثر قدرة على الاستمرار. أما الذي يعيش في جلد الذات المستمر، فقد يصل إلى الإنهاك النفسي دون
أن يشعر.
رابعًا:
ساعدوه على الاحتفال بالمحطات الصغيرة..
ليس
كل احتفال يعني الاكتفاء، بل هو شحن للطاقة.
قولوا
له: ما أكثر شيء تعلمته؟
ما
الذي تفتخر به في هذا الإنجاز؟
ماذا
ستطور في المرة القادمة؟
بهذه
الطريقة نجمع بين الامتنان والطموح.
خامسًا:
علموه أن الإنسان ليس آلة..
قال
الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا﴾؛ فالوسع يعني الطاقة البشرية التي تتعب وتحتاج إلى راحة، وتفرح، ثم
تواصل.
وقال
النبي ﷺ: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلت"؛
فالمقياس ليس الوصول إلى الكمال، بل الاستمرار المتزن.
سادسًا:
وهذا تدريب بسيط لكنه مؤثر بشكل إيجابي إن شاء الله..
اطلبوا
منه أن يكتب كل ليلة:
-
نجاحًا واحدًا حققه.
-
مهارة تعلمها.
-
شيئًا يشكر الله عليه.
هذا
التدريب يسمى في العلاج المعرفي: Positive
Reflection أو الانعكاس الإيجابي، وهو يساعد الدماغ على
ملاحظة النجاحات بدلًا من الاكتفاء برؤية النواقص.
سابعًا:
لا تمدحوه بعبارات تزيد الضغط..
فبدلًا
من: "أنت دائمًا الأفضل"..
قولوا: "نحن
فخورون باجتهادك، وبطريقة تعاملك مع مسؤولياتك"؛ فالمدح المرتبط بالقيم أكثر
ثباتًا من المدح المرتبط بالنتائج.
*
همسة أخيرة:
أيها
الخال العزيز، انصح ابن اختك أنه من حقك أن تطمح إلى القمة، لكن ليس من حقك أن
تحرم قلبك من الاستراحة عند كل محطة جميلة.
فالرحلة
الطويلة لا يواصلها من يجلد نفسه كل يوم، وإنما يواصلها من يعرف كيف يشكر الله على
ما وصل إليه، ثم يشد الرحال نحو ما هو أفضل.
ليجعل
شعاره: "أنا أفرح بما أنجزت، وأجتهد فيما لم أنجزه،" فبهذا التوازن تعيش سعيدًا، وتنجح مطمئنًا، وتبقى روحك محبة للعطاء، لا
مثقلة بقسوة لا يطلبها الله منك ولا الحياة.
روابط ذات صلة:
تتهم نفسها بالفشل عند أقل إخفاق!