الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : تاريخ وحضارة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
284 - رقم الاستشارة : 3875
19/01/2026
التراث العربي الإسلامي كان ثريًّا علميًّا وأدبيًّا، وسؤالي حول هل عرفت الحضارة الإسلامية الاهتمام بعلم البيطرة، أم أن ذلك العلم لم يُجد اهتماما؟
أخي الكريم، للحضارة الإسلامية مساهمات في كثير من المجالات؛ فالحضارة شيء متكامل في جوانبه، فهي تُعنى بالبنيان والإنسان والبيئة بما فيها من نبات وحيوان، وكان للحيوان مكانة في تلك الحضارة، سواء في مجال الرفق والعناية أو الطب البيطري، وهو العلم الذي يبحث في أحوال الحيوان من حيث وقايته من الأمراض وعلاجها.
بدايات مبكرة
من بديع الحضارة الإسلامية في الطب البيطري أنهم طبقوا بعضًا من مبادئ ونظريات طب الأبدان المختص بالبشر على الحيوان، وقد حظيت الخيول باهتمام ملحوظ، فكتبوا عنها وعن أمراضها وطرق علاجها ورعايتها؛ بل إنهم كتبوا في أنساب الخيل وأسمائها.
لكن الأهم هو أن عناية الحضارة الإسلامية بالطب البيطري جاء من خلال الرؤية الإسلامية للكون ومن بينه الحيوان؛ فالفقه الإسلامي احتوى على الكثير من الأحكام التي تحافظ على صحة الحيوان وتحرم إيذاءه، ومن ذلك تحريم استعمال الأدوات المعدنية الجارحة لدفع الحيوان على الإسراع، وتحريم خرم الأنف لشد الحيوان منه لما يسببه له ذلك من إيلام شديد، وتحرم الوشم على وجهه لما فيه من تشويه لملامحه الطبيعية، كما أنها تقنن الذبح وتراعي في تلك العملية ألا تطول عملية الذبح حتى تخفف الألم عن الحيوان، كما نهت الشريعة أن يتخذ من الحيوان غرضًا للرمي، أو أن يتم التحريش بين الحيوانات وتحريض بعضها على بعض لتتقاتل.
ومن البدايات والإرهاصات الأولى في العناية بعلم البيطرة، ما تناوله "أبو بكر أحمد بن وحشية" في القرن (3هـ=9م) عندما تحدث عن الحيوانات المُعينة على الفلاحة، مثل: البقر والغنم والإبل، وخصص بابًا خاصًّا للحمام والطيور.
أما "ابن العوّام "أبو زكريا يحيى بن محمد بن أحمد بن العوام" وهو من العلماء الأندلسيين الموسوعيين وشملت معارفه الطب والفلك والبيطرة، فقد خصص الأبواب الأخيرة من كتابه "الفلاحة الأندلسية" للحديث عن تربية الماشية، وأمراض الحيوان، وكيفية اختيار الجيد، ومدة الحمل، وما يصلح من العلف، ثم تحدت عن التسمين ورياضة الأمهار وعلاج بعض علل الدواب، وخصص فصلاً لمعالجة اقتناء الطيور في البيوت، مثل الحمام والأوز والدجاج ونحل العسل ثم اقتناء الكلاب للصيد أو الزرع.
مؤلفات في البيطرة
وقد عرفت الحضارة الإسلامية مجموعة من المؤلفات في الطب البيطري، منها:
- كتاب "مختصر البيطرة" لمؤلفه "أحمد بن الأحنف" وهو من أوائل الكتب في الحضارة الإسلامية في هذا المجال؛ إذ يرجع تاريخه إلى القرن (6هـ=13م)، والطريف أن الكتاب استعان ببعض الصور والرسوم التوضيحية
ولأحمد بن الأحنف كتاب آخر عن البيطرة بعنوان "الفروسية" لا يقل أهمية عن كتابه السابق، و"الفروسية" موسوعة علمية فريدة عن الخيل وأمراضها وطرق رعايتها، والكتاب مستفيض في الحديث عن الأمراض التي تصيب كل عضو وجزء في الخيل وطرق علاجها، وفي إحدى نسخ الكتاب المخطوط في القرن السادس الهجري أكثر من تسعين صورة للخيل والبشر.
- الجاحظ: يعد أديب العربية "الجاحظ" ممن اهتموا بالحيوان، بل إن أشهر كتبه بعنوان "الحيوان"، حيث تحدث عن دور الذباب في نقل الأمراض البيطرية، ووصف طرق علاج وجود الديدان في بعض الحيوانات.
- كتاب "البيطرة" لـ"الصاحب تاج الدين، واسمه أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي، (المتوفى 707هـ) ، والكتاب يتحدث عن أمراض الحيوانات من الرأس حتى الأمراض التناسلية، بما في ذلك الآفات ولدغ الهوام ونهش السباع، كما قدّم فيه وصفًا دقيقًا عن الديدان الموجودة في بطن الخيول والقروح المتولدة عنها، ومن ثم فالكتاب جمع بين العلم والملاحظة الدقيقة.
- "ضواري الطير" ومؤلفه "الغطريف الغساني" الذي عاش في القرن الثاني للهجرة، فتحدث عن أنواع الطفيليات التي تصيب الطيور الجارحة ومنها حديثه عن الديدان المعوية، بقوله: "إذا رأيت الطير قد ورم ما فوق كتفيه فاعلم أن في بطنه ديدانًا عراضًا مثل حب القرع (الديدان الشريطية) التي تكون في الصبيان".
- أما "البلدي" وهو "عبد الرحمن بن محمد البلدي" الذي عاش في القرن السادس الهجري، في كتابه (الكافي في البيطرة) فتحدث عن القمل الذي يصيب الطيور الجارحة، ويقول في مقدمة كتابه "مداراة الجوارح علم دقيق لا يفهمه إلا الذكي الفطن اللبيب، وهو من آداب الملوك والسلاطين والعظماء، ومن أعظم لذّاتهم وأكبر راحتهم ومفاخرهم".
وعموما أخي الكريم، المجال ما زال فيه الكثير للحديث عن تلك الإسهامات الفردية للحضارة الإسلامية في علم البيطرة، ولا شك أن حضارة الإسلام كانت حضارة رحمة ونفع للناس وللمخلوقات على السواء.
موضوعات ذات صلة:
حقوق الحيوان في الحضارة الإسلامية
هل للحضارة الإسلامية تراث في آداب الطعام؟
هل اهتمت الحضارة الإسلامية بعلم النفس؟