الإستشارة - المستشار : د. ماهر السوسي
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
699 - رقم الاستشارة : 4136
16/02/2026
سماحة المفتي، السلام عليكم ورحمه الله وبركاته.. إننا على أبواب شهر فضيل، شهر رمضان المبارك، الذي تتنزل فيه رحمات ربنا سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين، وكلنا يدرك أن رمضان مدرسة في الصبر والأخلاق الفاضلة والتربية القويمة، فما هي السلوكيات التي تنصح أن نسلكها ونحن مقبلون على هذا الشهر الكريم؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
أيها السائل الكريم: رمضان ليس كغيره من الشهور، فهو شهر مميز له وقع خاص في نفس الإنسان المسلم، ففيه يعلو الحس الإيماني عند الناس، ويزداد الشعور بالإقبال على الطاعات، ويجد المسلم فيه أنه أقرب إلى الله تعالى؛ ذلك لما ورد في فضل هذا الشهر من نصوص شرعية تبين عظيم ما فيه من الفضل والأجر والرحمة والبركة؛ فالحسنة فيه تضاعف إلى سبعمائة ضعف أو أكثر، لقول الله تعالى في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة والله يضاعف لمن يشاء".
كذلك تغفر في رمضان ذنوب من صامه طاعة لله واحتسابا للأجر عنده، لقول النبي ﷺ: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
وفيه تفتح أبواب الجنة، لذا يشعر المسلم فيه بالبِشر والراحة النفسية، فعن أبي هريرة رضي عنه أن النبي ﷺ قال: "إذا دخل شهرُ رمضانُ فُتِّحتْ أبوابُ الجنةِ، وغُلِّقتْ أبوابُ جهنمَ، وسُلْسِلتِ الشياطينُ"، وغير ذلك كثير مما يحمله هذا الشهر من مظاهر الخير والبركة.
وعليه، فإنه حري بكل مؤمن أن يتجهز لاستقبال هذا الشهر، وأن يقبل عليه بقلب ملؤه الإيمان، ونفس مطمئنة، وأن يسلك فيه مسلك صحابة رسول الله ﷺ وغيرهم من الصالحين، وإليك أيها السائل الكريم ما أنصحك به وأنصح نفسي من سلوك هؤلاء الأتقياء:
أولا: ادع الله تعالى أن يبلغك رمضان:
وهذه هي سنة صحابة رسول الله ﷺ، حيث كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يتقبل منهم صيام رمضان، ويدعون في الستة أشهر الأخرى أن يبلغهم رمضان، وإن دل ذلك على شيء، فإنه يدل على مدى حرصهم على أن يتقبل الله تعالى أعمالهم، وعلى مدى حبهم لرمضان، وتشوفهم لحضوره.
وجدير بالذكر أن للدعاء في رمضان أهمية خاصة، حيث إن الله تعالى قد ذكره في قلب آيات الصيام؛ إذ قال بعد الآية الثالثة وقبل الرابعة من الآيات التي تناولت الصوم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}، فالدعاء مخ العبادة، وهو كما قال ﷺ "سلاح المؤمن"، فإذا كانت الأمة الإسلامية اليوم تعيش حالة ضعف فإنها أحوج ما تكون لسلاح يقوي ضعفها، ولا يملكها غيرها، فإن الأمة المسلمة تنتصر بدعاء الصالحين فيها، يقول النبي ﷺ: "رُب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره"، فإذا أُهمل الدعاء في هذا الشهر الفضيل يكون قد فات الناس الشيء الكثير والخير العميم.
ثانيًا: استحضر ذنبك للتوبة لله تعالى:
لا يجتمع في قلب المسلم الطاعة والمعصية معًا، فمن أراد أن يتقبل صومه فعليه أن يبرأ إلى الله تعالى من معاصيه، حيث المعصية تصيب الإنسان بالكآبة، وتنزل به الغم، فتعمى بصيرته، ويتراجع وازع الإيمان عنده، فلا يقبل على الطاعة، وإن أقبل عليها فإنه لا يشعر بلذتها أو حلاوتها، ومن أراد الصوم خالصًا لله تعالى فعليه أن يفرغ قلبه له، حتى يستطيع أن ينعم بما ينعم به المقربون إلى الله تعالى، يقول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
ثالثًا: التخفف من مظالم الناس:
إن الله تعالى قد حرّم الظلم، جاء في الحديث القدسي عن رب العزة عز وجل: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا)، فالظلم هادم للعلاقات الاجتماعية، ومقطع لأوصالها، حيث الاعتداء على حقوق الآخرين بغير حق، بأي صورة من صور الاعتداء، وأكل أموال الناس بالباطل، وإلحاق الأذى بهم، كل ذلك يوغر صدور الناس بعضهم على بعض، والإسلام قد حرص حرصًا شديدًا على تقوية العلاقات الاجتماعية وتمكينها، حيث جاءت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة دالة على ذلك، ومنها قول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقول النبي ﷺ: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا".
وبعد هذا كيف يمكننا أن نتصور قبول صوم من أكل مال غيره بسرقة أو اغتصاب أو تحايل أو غش... أو غير ذلك من صور أكل أموال الناس بالباطل، وكيف يمكن أن نتصور قبول صوم من تعمد إيذاء الناس بالفعل أو القول؟
رابعًا: إخلاص النية لله والعزم على صوم رمضان:
إخلاص النية لله يعني أن يصوم الإنسان طاعة لله، لا يشوب صومه سمعة ولا رياء؛ فالعبادة على ذلك لا تصح إلا بالنية، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"، حيث النية تميز ما بين العادة والعبادة، فهي مظهرة لقصد العبد الذي يبتغيه عند قيامه بعمل من الأعمال، وهذا يعني أن الإنسان المسلم يجب أن يكون عالمًا بوجهة سلوكه وتصرفاته، وأنه ينبغي له ألا يكون عشوائي التصرف، وعلى ما سبق فيجب على المسلم أن يقصد بصومه وجه الله سبحانه وتعالى بعد أن يكون قد عزم على الصوم وهيأ نفسه له.
خامسًا: تعلم أحكام الصيام:
العابد الحق هو الذي يعبد الله تعالى على هدى وبصيرة، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، فالصوم له أحكامه المتمثلة في فرائضه وسننه وآدابه وشروطه، فالعلم بهذه الأحكام واجب كوجوب الصوم نفسه، حيث القاعدة الشرعية تنص على: "أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، وبناء على هذه القاعدة فلا يصح صوم الجاهل بأحكام الصوم، إذ كيف يمكنه أن يفرق بين ما يفسد الصوم وما لا يفسده، وعلى ذلك فكل مسلم مكلف بأن يتعلم أحكام الصوم ويعلمه أهله، لقول النبي ﷺ: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
سادسًا: تهيئة النفس بالإكثار من الذكر وقراءة القرآن:
من الطبيعي أن يهيئ الإنسان نفسه لكل أمر عظيم، والصوم ركن من أركان الإسلام، يقول النبي ﷺ: "بُني الإسلام على خمس: شهادة ألّا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا"؛ فرمضان هو الرحمة التي يبتغيها كل مؤمن، والخير الذي يرجوه والمغفرة التي ينشدها، لذا كان حقًّا على كل مسلم أن يستقبله بنفس طيبة مطمئنة، يملؤها الشوق والأمل في أن تعيش أيام الشهر ولياليه مستمتعة بما يحمله من عبق الإيمان ولذة القرب من الله تعالى، والنفس لا تكون كذلك إلا بذكر الله، يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، فمن استقبل رمضان مطمئنًا قلبه، منشرحًا صدره، وجد ضالته التي يبتغيها من الخير والبركة، والرضوان والمغفرة، وأفلح صومه بإذن ربه.
ومن كان هذا حاله مع ربه، فلا بد أن يكون عبدًا صالحًا مع الخلق، يعاملهم بأخلاق من هذب الصوم خلقه، ويسلك معهم سلوك من طهر الصوم نفسه.
سابعًا: اعتبار رمضان عبادة وليس عادة:
صوم رمضان المبارك عبدة تعبدنا الله تعالى بها، وهو فريضة محكمة افترضها علياء يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، أي: فرض عليكم، ويقول أيضًا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
لكن كثيرًا من الناس يرون أن رمضان هو موسم أكل وشرب وزينة، فيكثر فيه الإنفاق على موائد الطعام وتزيين البيوت، وكذلك يكثر فيه اللهو بالإقبال على ما تبثه وسائل الإعلام المارقة من اللهو والفجوز الذي يكاد يفطر الصائم ويصرفه عن ذكر ربه، مع أن المفترض أنه في عبادة مستمرة لا يشغله عنها لهو ولا شهوة.
ثامنًا: توطين النفس على زيادة الطاعة في رمضان وبعده:
من الملاحظ أنه في رمضان تكثر الطاعات ويكثر إقبال الناس عليها، فهو شهر له وقع خاص في نفس المسلم كما ذكرنا من قبل، وعلى ذلك ينبغي على كل مسلم أن يحرص على استغلال نفحات هذا الشهر الفضيل أحسن استغلال, فيحصد من ثماره الجنية.