زوجها يغتاب الناس.. هل تأثم بالسماع؟ وكيف تنصحه؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : فئات المدعوين
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 269
  • رقم الاستشارة : 3414
30/11/2025

فضيلة الشيخ، عندي مسألة تؤرقني وأحب أن أستشيركم فيها: زوجي كثيرًا ما يتحدث عن الناس بغيبة أو ذكر عيوبهم، وأنا لا أحب الغيبة وأشعر بالانزعاج الشديد منها. أحيانًا أواجهه وأنبهه، وأحيانًا أصمت حتى لا تحدث مشاكل بيننا، لكن هذا الأمر يزعجني جدًا؛ لأنني أخاف أن أكون آثمة لمجرد سماعي لهذه الأحاديث رغم أنني لا أرضى بها.

سؤالي: هل أُحاسب على مجرد سماع الغيبة إذا لم أشارك فيها؟

ما هو الموقف الشرعي الصحيح الذي ينبغي أن أتخذه في مثل هذه الحال؟

كيف أتعامل مع زوجي بلطف دون أن أسبب خلافًا، وفي نفس الوقت أبرئ نفسي من الإثم؟

جزاكم الله خيرًا، ونفع بكم، وبارك في علمكم.

الإجابة 30/11/2025

مرحبًا بك أختي الفاضلة، وأشكرك على ثقتك بنا، وعلى حرصك على طهارة قلبك وسلامة دينك، أسأل الله –تعالى- أن يبارك لك في زوجك وفي حياتك، وأن يعينك على كل خير، وأن يجعل لك من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، وبعد...

 

فلقد عظَّم الإسلام شأن حفظ اللسان، وحذَّر من آفاته -كالغيبة والنميمة- وجعلها من الذنوب التي تمس حقوق العباد وتُذهب الحسنات، وأخبر –سبحانه- أن الإنسان محاسب على كل كلمة: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

 

وإن سعيك لإيجاد الموقف الشرعي والاجتماعي الأمثل للتعامل مع هذا الموقف هو مسلك حكيم وواجب عليك، لتقي نفسك وزوجك من الوقوع في الإثم.

 

هل تحاسبين على سماع الغيبة إذا لم تشاركي فيها؟

 

إن الأصل في سماع الغيبة أنه حرام، ويحاسب عليه فاعله ويأثم إذا لم ينكره، ولكن تختلف درجة الإثم حسب الموقف والقدرة على الإنكار. فالسكوت عن المغتاب مع الرضا بالغيبة هو مشاركة في الإثم؛ لأن الساكت عن المنكر شريك فيه إذا لم ينكره بقلبه أو لسانه أو يتركه، فمجالسة المغتاب هي إعانة له على الاستمرار في غيه. وقد قال –تعالى- محذرًا من مجالسة أهل المنكر: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكمْ فِي الْكتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: 140].

 

وإن كانت الآية نزلت في الكفر والاستهزاء، فإن الفقهاء استنبطوا منها قاعدة التحذير من مجالسة أهل المعاصي حال معصيتهم، وأن الساكت معهم يعتبر مثلهم.

 

وقد قال رسول الله: «من ردَّ عن عِرضِ أخيهِ بالغيبِ كان حقًّا على اللهِ أن يعتِقَهُ من النارِ» [رواه أحمد]. فرد الغيبة والدفاع عن الغائب واجب، وفي تركه تضييع لحق يؤدي إلى الإثم.

 

أما إذا كان السامع كارهًا للغيبة بقلبه، ولم يستطع الإنكار بلسانه ولا ترك المجلس، خوفًا من الضرر (كما في حالتك مع زوجك)، فإنه لا يأثم. يقول النبي ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» [رواه مسلم].

 

فما دمتِ –أختي الفاضلة- تنكرين بقلبك، فهذه أقل درجات الإنكار وهي واجبة عليك، وتبرئ ذمتك نوعًا ما، لكن لا يسقط وجوب الإنكار باللسان متى ما أمكن بلطف وحكمة.

 

الموقف الذي ينبغي أن اتخاذه:

 

أنصحك بالتغيير التدريجي، والإنكار اللطيف، وذلك كالآتي:

 

- رد الغيبة والدفاع عن المغتاب: إذا كان لديك علم بالمسألة، فيمكنك الدفاع بذكر فضائل الشخص المغتاب أو ذكر أعذاره.

 

- تغيير مسار الحديث: يمكنك مقاطعة الحديث بمهارة وبلطف، وفتح موضوع آخر إيجابي.

 

- التذكير بالله وبفضله: قولي له بهدوء ومحبة: «يا زوجي الحبيب، أخشى أن تذهب حسناتك وحسناتي، نحن بحاجة لكل حسنة في ميزاننا يوم القيامة، تذكر أن الله سترنا فلنستر على عباده».

 

- الاستعاذة والدعاء: إذا عجزتِ عما فات، فاستعيذي بالله في قلبك، وادعي له ولنفسك وللشخص المغتاب.

 

- مفارقة المجلس: إذا تكررت الغيبة من زوجك، وصمم عليها، ولم ينفع الإنكار ولا التذكير، فقومي من المجلس بحجة أو بأخرى، كأداء الأعمال المنزلية أو متابعة الأبناء.

 

كيف تتعاملين مع زوجك؟

 

إن الحوار داخل البيت يجب أن يغلب عليه الود والحكمة والمحبة. يمكنك اتباع الأساليب التالية بلطف لتجنب الخلاف وإبراء ذمتك:

 

- التذكير غير المباشر والمؤثر

 

لتوصيل رسالتك دون إحراج أو اتهام مباشر، اختاري وقتًا مناسبًا وهادئًا (ليس وقت حدوث الغيبة). يمكنك أن ترسلي لزوجك مقطعًا دينيًّا قصيرًا مؤثرًا عن الغيبة، أو رسالة إيمانية لطيفة عن فضل حفظ اللسان، أو حديثًا نبويًّا في هذا الشأن.

 

- الحوار اللطيف دون الاتهام

 

استخدمي معه صيغة: «أنا قلقة» بدلًا من: «أنت مخطئ». قولي له مثلًا: «يا زوجي الغالي، أنا قلقة على حسناتنا وخائفة علينا من هذا الذنب الذي يُذهب الأجر، وأحس بالضيق والخوف من الله عندما نذكر أحدًا بسوء». بهذه الطريقة تفتحين قناة للتواصل العاطفي وتتجنبين اتخاذه موقف الدفاع عن النفس إذا شعر بأنك تنتقدينه. ومن الجيد أيضًا أن تشكريه على شيء إيجابي فيه قبل البدء بالنصح لتقبُّل كلامك.

 

- القدوة الحسنة

 

لتغيير عادته، كوني أنتِ القدوة الحسنة في الحديث. خلال الحديث عن الآخرين، بادري أنت بذكر الإيجابيات والفضائل والبحث عن الأعذار للناس. وإذا تحدثتما عن مشكلة تخص شخصًا، فاجعلي التركيز على الدعاء له بالهداية والستر بدلًا من ذمِّه. هذا يساهم في تعويده على رؤية النموذج الإيجابي للحديث عن الناس.

 

وختامًا أختي الفاضلة، إنك مأجورة على جهدك وحرصك، ومأجورة على صبرك على زوجك ومحاولتك نصحه، فواصلي الدعاء له بالهداية وصلاح اللسان، فالدعاء سلاح المؤمن، وتذكري أن الأمر كله بيد الله، واستعيني بالله -سبحانه وتعالى- في تغيير سلوكه. جعل الله لك في هذا الموقف نورًا وسلامة، ووفقك أنت وزوجك لما يحبه ويرضاه.

 

روابط ذات صلة:

كيف أوازن بين حفظ اللسان والمشاركة في أحاديث المجالس؟

الجلسات العائلية المؤذية.. هل هجرها قطيعة للرحم؟

اغتبتها وظلمتها.. كيف أكفِّر عن ذنبي دون أن أحرج نفسي؟

الرابط المختصر :