الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
4 - رقم الاستشارة : 6119
13/10/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية شاب، بدأت طريقي في الدعوة إلى الله منذ سنوات، لكني أواجه في هذا الطريق الكثير من الصعوبات والتحديات التي تثبط همتي وتضعف عزيمتي، أحيانًا أشعر بالوحدة، وأحيانًا بالحسد من بعض الناس، وأحيانًا بكراهية المنافقين، وأحيانًا بمقاومة الكافرين، وأحيانًا بصراع شديد مع نفسي وشهواتها، كل هذه الصعوبات تتراكم عليّ، وتجعلني أفكر أحيانًا في التراجع أو التوقف عن العمل الدعوي.
كيف يمكنني كداعية أن أواجه هذه التحديات، وأن أثبت في طريقي، وأن أتغلب على هذه الشدائد، وأجعل منها دروسًا وخبرات تزيدني قوة وإيمانًا، وألا أستسلم لليأس أو الإحباط؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم، حياك الله وبارك في همتك، ونسأل الله أن يثبتك
على الحق ويرزقك الصبر واليقين.
اعلم أن ما تمر
به ليس غريبًا على طريق الدعوة، بل هو سنة الله في خلقه، فطريق الجهاد طويل تحفه
الشدائد وتكتنفه المصاعب، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ
النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ
فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ
الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 2-3)، وقال ﷺ: «أَشَدُّ
النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ
عَلَى حَسَبِ دِينِهِ» (رواه الترمذي).
لقد أشار نبينا ﷺ في حديثه
الشريف إلى أن المؤمن بين خمس شدائد، وهي بمثابة الركن الركين لفهم مسيرة الدعاة، وهذه
الشدائد هي:
1. مؤمن يحسده: الحسد داء النفوس، وهو مرض قلبي قد يصيب
الداعية من أخيه الداعية، فيحسده على ما آتاه الله من فضل، قال تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا
حَسَدَ﴾ (الفلق: 5). وكما قال ابن المعتز: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له،
بخيل بما لا يملكه، طالب بما لا يجده.
2. منافق يبغضه: البغضاء هي الحالقة التي تحلق الدين، وهي
أقوى من الحسد، فالمؤمن لا يبغض أخاه المؤمن، أما المنافق فطبعه البغض والكراهية،
قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم
مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ
مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:
52].
3. كافر يقاتله: وهذا واضح في تاريخ الدعوة، فالكفار يصدون
عن سبيل الله، ويحاربون من يدعو إليه، قال تعالى: ﴿وَلَا
يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ
اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ
حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ
هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:
217].
4. شيطان يضله: وهو العدو الأكبر للإنسان، يحاول أن يوقع
الداعية في الفتن والشبهات والشهوات، ليصده عن طريق الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ
فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:
6].
5. ونفس تنازعه: وهي الشدة الأكثر إلحاحًا، وهي صراع
الداعية مع هواه وشهواته، التي تأمره بالسوء، وتثبط عزيمته، وتضعف همته، قال تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ
لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [يوسف: 53].
فكيف تواجه هذه
الشدائد؟
• الإيمان بالله والتوكل عليه: هو
الحصن الحصين الذي يحمي الداعية من كل هذه الشدائد، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا
وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ
الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
• اللجوء إلى
الدعاء: الدعاء سلاح المؤمن، وهو مفتاح النصر، وقد علمنا نبينا ﷺ أن نستعيذ
بالله من شر هذه الشدائد، كما كان يستعيذ من الحسد وغيره.
• الصبر
والاحتساب: الصبر هو مفتاح الفرج، وهو طريق النجاة، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 46)، واحتساب الأجر عند الله.
• التزود
بالعلم: العلم هو السلاح الذي يردع الشيطان، ويفند حجج الخصوم، ويكشف شبهاتهم،
وهو الذي يقوي إيمان الداعية، ويجعل قلبه مطمئناً.
• مصاحبة
الأخيار: مصاحبة الدعاة المخلصين هي عون على الثبات، فهم يذكرونك بالله إذا
نسيت، ويعينونك إذا ضعفت، ويشدون أزرك في المحن.
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
• تذكر أن هذه الشدائد هي طريقك إلى الجنة،
وأن كل شدة تمر بها هي رفعة في درجاتك، وتكفير لسيئاتك.
• لا تيأس من روح
الله، فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وأنت في معية الله ما دمت في طاعته،
وتذكر قوله ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ،
وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ،
فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»
(رواه مسلم).
وأسأل الله
العظيم أن يثبتك على دينه، ويرزقك الصبر واليقين، ويجعل لك من كل هم فرجًا، ومن كل
ضيق مخرجًا، ويرزقك الفوز في الدنيا والآخرة.
روابط ذات صلة:
الحسد بين الدعاة.. أسبابه وعلاجه