سيكولوجيا المقارنة.. لماذا تفشت بين الشباب؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 6
  • رقم الاستشارة : 6129
14/10/2026

لماذا زادت حدة المقارنات بين الشباب في العقود الأخيرة هل للرقمية دور في ذلك وما تأثير ذلك على العلاقات الاجتماعية والجريمة؟

الإجابة 14/10/2026

أخي الكريم، هناك ظواهر مقلقة منتشرة في قطاعات مختلفة داخل المجتمعات ولها تأثيراتها السلبية على العقل والعلاقات والاستقرار النفسي والاجتماعي، من بينها سيكولوجيا المقارنة؛ إذ أصبحت الذات تقارن نفسها بمن حولها باستمرار وعلى كافة الأصعدة المهنية والتعليمية والعائلية والصحية وعلى مستوى الجمال والرفاهية، لكن تلك الروح لا تكتفي بالمقارنة فقط، ولكنها تنطلق إلى مسارات نفسية قلقة من الحسد والسخط وعدم الرضا، وربما الوقوع في فخ الجريمة وإيذاء الآخرين.

 

والحقيقة أن سيكولوجيا المقارنة أصبحت تحاصر الإنسان المعاصر منذ الاستيقاظ حتى النوم، ولعل السبب الرئيس في ذلك هو أن الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي باتت تحتل مساحات واسعة من أوقات الناس وانشغالاتهم، بل أصبح ذلك الإنسان لا يرى ذاته ومن حوله في أغلب الأحيان من خلال الرقمية، التي أصبحت حياة غالبية الناس منكشفة أمامها، وباتت الغالبية تعرف الآخرين وتفاصيل حياتهم، وتعقد مقارنات لا تنتهي بين الذات وبين ما يبثونه في العالم الافتراضي.

 

الشباب وسيكولوجيا المقارنة

 

أخي الكريم، أصبحت المقارنة ظاهرة ملحوظة بين الشباب بصورة مقلقة، بسبب أنهم الفئة العمرية الأكثر اندماجًا في الرقمية؛ إذ يقضي الشباب أو الفتاة، حسب دراسة نشرت في أغسطس 2026م ما متوسطه ست ساعات يوميًّا أمام الشاشات، وتشير الدراسة إلى أن 60% في عمر الـ(18) يقضون تلك الساعات الست بصورة شبه دائمة، وهنا يتداخل العالم الافتراضي بالواقع، لكن تلك الساعات لها انعكاساتها النفسية على الشباب لأنها فتحت نافذة لهم على حياة الآخرين يطلون من خلالها على حياتهم وما فيها من لحظات متعة وإنجاز واستمتاع وإبهار، وهذا ما أيقظ في النفوس والعقل روح المقارنة بين حياتهم وبين حياة الآخرين إنجازًا واستمتاعًا.

 

تشير الدراسات إلى أن "سيكولوجيا المقارنة" من المفاهيم النفسية والاجتماعية التي تفسر الكثير من الاضطرابات الوجودية المعاصرة، فهي لا تعني فقط مشاعر الغيرة التقليدية، بل تمثل بنية إدراكية مشوهة يعيد فيها الشاب تقييم ذاته وقيمته في الحياة بناءً على معايير الآخرين.

 

كانت بداية ظهور هذا المفهوم مع جهود عالم النفس الأمريكي "ليون فيستينجر" في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، في إطار نظريته عن "المقارنة الاجتماعية" والتي تفترض أن الإنسان لديه دافع داخلي لتقييم آرائه وقدراته عبر مقارنتها بالآخرين، وأن هذا السلوك ينقسم إلى:

 

* المقارنة الصاعدة: حيث يقارن نفسه بمن هو أفضل منه وأكثر تميزًا، وهذه المقارنة تخلق الشعور بالدونية والعجز والإحباط، ورغم ذلك فإن تلك المقارنة لها وجه إيجابي، لكن قليل للغاية، يتمثل في زيادة الدافعية لتطوير مهارات الذات، وهو ما يرفع مستوى القابلية للتعلم واكتساب المهارات، ورفع مستوى الطموحات.

 

* المقارنة الهابطة أو التنازلية: وفيها يقارن الشخص نفسه بمن هم أقل منه حظًّا، وهذه آلية دفاعية مؤقتة لرفع معنويات الشخص، ذكر عالم النفس "توماس ويلز" أن الإنسان يلجأ إليها بشكل غير واع عندما يواجه تهديدًا لتقديره الذاتي، أو عندما يمر بأزمات نفسية وضغوطات، وذلك بهدف تحسين المزاج وتوفير قدر من الراحة النفسية.

 

المقارنة أزمة وجودية للشباب

 

أخي الكريم، سيكولوجيا المقارنة تخلق أزمة وجودية ونفسية عميقة للشباب تتجاوز القلق والتوتر وعدم الرضا؛ لأنها تشجع النفس أن تكون نفسًا رافضة لذاتها وواقعها ولا ترى أفقًا لما هو قادم، كما أنها تشعر بمتناقضات من الكراهية والبغض والحسد لمن تراهم متميزين حولها.

 

هذه المشاعر الخطرة تُحدث تصدعات وشروخًا في النفس تعكر استمتاعها بما تملك من نعم وعطاءات إلهية، ويتملكها شعور بالازدراء لذاتها ولما في يديها، وتلك المشاعر تغذي متلازمة تسمى "متلازمة فومو" FOMO أو "الخوف من فوات الشيء" أو "الخوف من تفويت الفرص".

 

وختامًا أخي الكريم، لكي يتجاوز الشباب سيكولوجيا المقارنة، يجب أن يعي الشاب بمسببات نمو تلك الحالة في النفس، فيعمل على تجفيف منابعها في النفس، من خلال تفعيل روح وأخلاق الرضا، والامتنان إلى الخالق سبحانه وتعالى، كذلك الاستفادة من سيكولوجيا المقارنة في جانبها الإيجابي في الارتقاء بالذات من خلال الاقتباس من التجارب الناجحة والمميزة، كذلك إدراك الفارق الشاسع بين ما يبثه الناس على صفحات التواصل الاجتماعي وبين واقعهم الحقيقي، فليس كل ما ينشر ويبث هو حقيقي، كذلك النظر إلى الجانب الإيجابي في الذات وعناصر تميزها، وأن الذات ليست صحراء قاحلة، ولكن فيها واحات جميلة مبهجة يمكن الاحتماء بظلها.

 

موضوعات ذات صلة:

ما علاقة الرقمية بانتشار روح الحسد؟

هل ثقافة المقارنة وراء ازدياد الطلاق؟

كيف تؤثر ظلال السخط السوداء على حياتنا؟

هل يعكر طغيان إلحاح الإنجاز سعادة الإنسان؟

هل الرضا يمنحنا قوة نفسية؟

هل تقف الرقمية وراء سخطنا على أجسادنا؟

هل تحتاج عقولنا إلى قيمة الرضا؟

الطموح هل هو نقمة أم نعمة؟

كيف أستفيد من الطموح لصحتي العقلية والنفسية؟

التعليقات

الرابط المختصر :